ومن كتبه: كتاب الفصل بين القرأة، ذكر فيه اختلاف القراء في حروف القرآن، وهو من جيد الكتب، وفصل فيه أسماء القراء بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام وغيرها، وفيه من الفصل بين كل قراءة، فيذكر وجهها وتأويلها والدلالة على ما ذهب إليه كل قارئ لها، واختياره الصواب منها، والبرهان على صحة ما اختاره، مستظهرا في ذلك بقوته على التفسير والاعراب الذي لم يشتمل على حفظ مثله أحد من القراء، وان كان لهم رحمهم الله من الفضل والسبق ما لا يدفع ذو بصيرة، بعد أن صدّره بخطبة تليق به، وكذلك كان يعمل في كتبه: أن يأتي بخطبته على معنى كتابه، فيأتي الكتاب منظوما على ما تقتضيه الخطبة، وكان أبو جعفر مجوّدا في القراءة موصوفا بذلك يقصده القراء البعداء ومن الناس للصلاة خلفه يسمعون قراءته وتجويده.
وقال عبد العزيز بن محمد الطبري: كان أبو جعفر يذهب في جل مذاهبه إلى ما عليه الجماعة من السلف وطريق أهل العلم المتمسكين بالسنن، شديدا عليه مخالفتهم، ماضيا على منهاجهم، لا تأخذه في ذلك ولا في شيء لومة لائم، وكان يذهب إلى مخالفة أهل الاعتزال في جميع ما خالفوا فيه الجماعة من القول بالقدر وخلق القرآن وإبطال رؤية الله في القيامة، وفي قولهم بتخليد أهل الكبائر في النار وإبطال شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي قولهم إن استطاعة الانسان قبل فعله. وكان
أبو جعفر يزعم أن ما في العالم من أفعال العباد فخلق الله، وأن ما منّ الله به على أهل الإيمان من الاستطاعة التي وفقهم لها غير ما أعطاه لأهل الكفر من الدار والعقل، وأن الله ختم على قلوب من كفر به مجازاة لهم على كفرهم.
قلت: وهذا الفصل رديء جدا، لأنه إن كان ختم قبل الكفر فقد ظلم، وإن كان بعده فقد ختم على مختوم، وهذا لم يقل به أحد من أهل السنة والجماعة إنما هو من أقوال الروافض والمعتزلة قبحهم الله.
وكان أبو جعفر يعتقد أن ما أخطأه ما كان ليصيبه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن جميع ما في العالم لا يكون إلا بمشيئة الله، وان الله جل وعز لم يزل موصوفا بصفاته التي هي علمه وقدرته، وكلامه غير محدث.
قال: وكان أبو جعفر يذهب في الإمامة إلى إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وما عليه أصحاب الحديث في التفضيل، وكان يكفّر من خالفه في كلّ مذهب، إذ كانت أدلّة العقول تدفع كالقول في القدر وقول من كفّر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروافض والخوارج، ولا يقبل أخبارهم ولا شهاداتهم، وذكر ذلك في كتابه في الشهادات وفي الرسالة وفي أول «ذيل المذيل» وكان لا يورّث من الكفرة منهم، وذكر ذلك في «مسند أسامة بن زيد» عند كلامه في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يورث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ولا يتوارث أهل ملتين شتّى، وكان لا يورث متكافرين، لا يورث يعقوبيا من النصارى من ملكي، ولا ملكيا من نسطوريّ، ولا شمعتيّا من اليهود سامريا، ولا عنانيا من الشمعتي، ووافقه على هذا المذهب الأوزاعي، فإذا اختلفت الكنائس والبيع لم يورث بعضهم من بعض.
قال أبو بكر ابن كامل: حضرت أبا جعفر حين حضرته الوفاة، فسألته أن يجعل كلّ من عاداه في حلّ، وكنت سألته ذلك لأجل أبي الحسن ابن الحسين الصواف، لأني كنت قرأت عليه القرآن فقال: كلّ من عاداني وتكلم فيّ حلّ إلّا رجل رماني ببدعة، وكان الصواف من أصحاب أبي جعفر، وكانت فيه سلامة، ولم يكن فيه ضبط دون الفصل، فلما أملى أبو جعفر «ذيل المذيل» ذكر أبا حنيفة وأطراه وقال: كان فقيها عالما ورعا، فتكلم الصواف في ذلك الوقت فيه لأجل مدحه لأبي حنيفة وانقطع عنه وبسط لسانه فيه. قال أبو بكر ابن كامل: من سبقك إلى إكفار أهل الأهواء؟ قال فقال: إماما عدل عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان.
وكان إذا عرف من إنسان بدعة أبعده واطرحه، وكان قد قال بعض الشيوخ ببغداد بتكذيب غدير خمّ وقال: إنّ علي بن أبي طالب كان باليمن في الوقت الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير خمّ، وقال هذا الإنسان في قصيدة مزدوجة يصف فيها بلدا بلدا ومنزلا أبياتا يلوّح فيها إلى معنى حديث غدير خم فقال:
ثم مررنا بغدير خم ... كم قائل فيه بزور جم
على عليّ والنبيّ الأمي
وبلغ أبا جعفر ذلك، فابتدأ بالكلام في فضائل علي بن أبي طالب، وذكر طرق حديث خم، فكثر الناس لاستماع ذلك، واجتمع قوم من الروافض ممن بسط لسانه بما لا يصلح في الصحابة رضي الله عنهم، فابتدأ بفضائل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم سأله العباسيون في فضائل العباس، فابتدأ بخطبة حسنة وأملى بعضه، وقطع جميع الإملاء قبل موته وكان يظنّ أن فيه لجاجة؛ قال أبو بكر ابن كامل: ولم يكن فيه ذلك، وقد كان رجع إلى طبرستان فوجد الرفض قد ظهر، وسبّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أهلها قد انتشر، فأملى فضائل أبي بكر وعمر حتى خاف أن يجري عليه ما يكرهه، فخرج منها من أجل ذلك.