وتأمل قول المفسرين: ان القرآن يفسر بعضه بعضا، وانزع هذه الكلمة من حقل التفسير، واغرسها في دراسة الشعر، وهى ليست غريبة كغربة فكرة النسخ لأننا نقول: لكل شاعر معجمه، ونعنى بذلك أن دلالة الألفاظ في شعر امرئ القيس تختلف عنها في شعر زهير، بل ان اللفظة في ديوان الشاعر تختلف دلالتها من موقع إلى موقع، لأن السياق وجو المعنى مختلف لا محالة، وهو الذى يحرك الكلمات ويفرغ فيها مذاقه، وهذه مسألة ظاهرة، وتأمل قول البلاغيين في اختلاف دلالة لفظ «حاجب» في قول الشاعر:
له حاجب = في كل أمر يشينه
وليس له عن طالب العرف حاجب
وقل أكثر من ذلك في الصور والمجازات والتشبيهات، وكل ما هو داخل في صنعة الشعر، والصنعة الدقيقة في هذه الفنون تقتنص من الشاعر بعض سماته، وتسكنها فيها، وتجعلها دالة عليه، ولكنها لا تكشف هذا المكنون الا بالدراسة التى تقوم على الروية والفكر لأنها رقائق أسدلت دونها حجب، ولها أقوام قد هدوا اليها ودلوا عليها وهذا كلامهم، والمهم أن الشاعر يجرى في هذه الصنعة شبها واحدا هو شبهه وسمتا واحدا هو سمته، وأن العين الواعية لا تخطئ هذه الوشيجة كما أن عين صاحب الفراسة لا تخطئ في تفرسها.
وهذا كلام مجمل، وتفصيله في خطوته الأولى هو أن أحدد مفردات الشاعر وأضعها في نظام معجمى، تظهر فيه الكلمات التى تكررت، والكلمات التى لم تتكرر، ثم أنظر في الكلمات التى تكررت وأحدد المعانى الجانبية التى انفرد بها موقع دون موقع، وهذا مهم لأن المعانى المضافة هى من السياق، وتنوعها وغزارتها انما يكون بحسب قدرة الشاعر على خلق السياق الذى يفعمها بما يثيره من أجواء، وبهذا تقاس قدرة الشاعر ويقاس أثره في مفردات اللغة، تأمل مثلا كلمة «السنا» أو «البرق» في ديوان امرئ القيس وكيف كان كأنه يخلقها في كل موضع خلقا جديدا. وكيف كان ينفحها من شاعريته
ما يجعلها تتجدد وهكذا، وبهذا دون غيره يصح أن تكون كلماته يفسر بعضها بعضا.