وانما لا بد من تحريك الفكرة، واستنطاقها بغير ما كانت تنطق به هناك، وحسبها هنا أن ترشدنا إلى دراسة الديوان دراسة تاريخية مرتبة ترتيبا زمنيا مضبوطا، وهذه مسألة لا تكلف شيئا في الشعر الحديث لأن الشعراء يؤرخون قصائدهم، أما في الشعر القديم فانها
مكلفة مشقة ولا تتم الا بفهم واستيعاب، وهذا أول ما ترشدنا اليه فكرة النسخ حين ننقلها إلى الشعر.
ثم ندرس شعر الشاعر في ضوء هذا الترتيب الزمنى المتقن، والدراسة في هذا سوف تتوفر على دراسة وسائل الشاعر، وأدواته اللغوية، وطريقة تصريفه لها، في بناء شعره، وهذا يشمل صياغته وكلماته، وصوره ورموزه، ومنازعه العامة في بناء قصيدته، مداخله ومخارجه هل كان يمضى ذلك وغيره مما يدخل في بنية شعره في خط متصاعد صارت به أواخر شعره مغايرة لأوائله من حيث الرقى الملحوظ في هذه الأدوات وهذه الوسائل؟
أم أن هذه الوسائل اللغوية عنده قد انتهت عند النقطة التى بدأت بها فتشبيهات الشاعر مثلا في أواخر قصائده كتشبيهاته في أوائلها، وكذلك مجازاته وكناياته، ورموزه وصوره.
وهذا البحث لو أتقناه لكان بحثا ممتعا، لأنه يحكى لنا قصة الشاعر مع الشعر، يعنى قصة ابداعه وخواطره وصوره وما داخل شعره في هذه المرحلة الزمنية التى شغل فيها بالشعر.
وكل ذى صنعة ولوع بها، صابر عليها، منقطع لها، لا بد أنك تراه وهو في قمة نضجه ينكر كثيرا مما كان عليه في بواكير صنعته، والتبريزى يقول: ان أبا العلاء «كان يغير الكلمة إذا قرأت عليه من شعره في صباه الملقب بسقط الزند (بكسر السين وفتح الزاى المشددة) وكان يحث التبريزى على الاشتغال بغيره من كتبه ك «لزوم ما لا يلزم» [6] وأنا لا أعرف دراسة واحدة في أدب العربية تناولت تطور الوسائل اللغوية في ديوان شاعر، والمراد بالوسائل اللغوية كل ما يدخل في نسيج الشعر لأنه كله أمر متعلق باللغة، أو قل بعبارة أكثر تحديدا: تطور الخصائص البلاغية في شعره ورصد هذا وقياسه وضبطه.
وأقول: ان هذا الضرب من الدراسة تهدينا اليه فكرة «النسخ» وهى قضية قرآنية لحما وشحما.
(6) مقدمة شروح سقط الزند ج 1ص (د) .