ومن أهم ما يؤدى إلى اختلافنا وتنوعنا في تحريك الأفكار
واستنطاقها والفتق عن مكنوناتها، موقفنا في القراءة والتحصيل، فهناك من يدرس ليحصّل ويجتهد في أن يستوعب أفكار الآخرين، ويملأ منها عيبته، ثم يكتفى بأن تكون دراساته ومصنفاته مزيجا من ذلك كله، فيوهم بسعة الثقافة ومواكبة العصر، والتوشح بالأصالة وبالمعاصرة معا، وهكذا ترى في كتبه كتب الناس، وفى رأسه عقولهم، وفى فمه السنتهم، وهذا هو حال أكثر كتابنا وعلمائنا، وهم مختلفون بمقدار اصابتهم في باب التحصيل هذا.
وهناك من يقرأ ليفكر، ويحصّل ليتدبر، ويستوعب ليتشرب، يستوى عنده كل ما تقع عليه عينه غير ناظر إلى أنه يوافق أصحاب هذا الفكر أو يخالفهم، المهم عنده أن يستنهض في نفسه عقلا يستنزل صوبه من غمامه، ويستنبط فكرته من معدنه، ويخفق بجناحه هو، ويقول بلسانه هو، ويكتب بمداده هو، وهكذا كل ذى أنفة، ولا تجد باحثا مقتدرا الا وفيه بأو = ينأى به عن أن يختلس لسانه ما في أفواه الآخرين، وأن يعيش بين الناس وهو يمضغه في غير حياء، هذا أصل يجب أن نقدمه بين يدى الفكرة التى نريد تأكيدها وهى ضرورة انتفاع الدراسة الأدبية بما في علوم القرآن، لأنها في جملتها قائمة على اللغة والشعر.
ولو تصورت أننى نقلت موضوع النسخ من حقل الدراسة القرآنية إلى حقل الدراسة الأدبية فكيف أراه؟
لو قلت: اننى في ضوء هذا أنظر لأتعرف هل نسخ الشاعر بعض معانيه، يعنى نفى ما أثبت، أو أثبت ما نفى، أو رضى ما كره، أو كره ما رضى، لكان هذا تفكيرا قريبا ونقلا حرفيا للفكرة مع أنه لا يخلو من فائدة.
وانما لا بد من تحريك الفكرة، واستنطاقها بغير ما كانت تنطق به هناك، وحسبها هنا أن ترشدنا إلى دراسة الديوان دراسة تاريخية مرتبة ترتيبا زمنيا مضبوطا، وهذه مسألة لا تكلف شيئا في الشعر الحديث لأن الشعراء يؤرخون قصائدهم، أما في الشعر القديم فانها
مكلفة مشقة ولا تتم الا بفهم واستيعاب، وهذا أول ما ترشدنا اليه فكرة النسخ حين ننقلها إلى الشعر.