الصفحة 9 من 21

وندرك في قوله تعالى:"ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دغائِهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين" [الأحقاف 5 - 6] ، أنه أشد الضلال، وفي:"أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون" [الجاثية 23] .

ونصوص القرءان تكشف لنا عن دلالة الضلال بأن ضده الهدى، وأن علاقته بالنسيان علاقة ترادف، وأنه بيد الله؛ فلا هادى لمن أضل الله؛ ولا مضل لمن هدى الله، وأن مصادر الإضلال هي الشيطان وحزبه:"عدو مضل مبين" [القصص 15] ، وأن الضلال منه القريب ومنه البعيد، ومنه المبين ومنه الخفي، وأن الضلال والإضلال مستويان؛ ضل بنفسه، وأضل غيره، وأن الضلال خطر على الإنسان حتى بعد أن هداه الله؛ بما يوجب الاستعصام بالله وحده، وأن الضلال في قوله تعالى عن موسى:"فعلتها إذا وأنا من الضالين" [الشعراء 20] ، أي المخطئين؛ لم أقصد لم أتعمد، وهذا يؤيد أن الضلال منه العمد ومنه الخطأ، كما أن النسيان منه العمد ومنه الخطأ. وأن قوله تعالى:"نسوا الله فنسيهم" [التوبة 67] ، أي: ضلوا ضلالا بعيدا، وختم لهم بهذا فلم يذكروا الله

وأن قوله تعالى:"إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله" [ءال عمران 135] ، فمن باب"فاذكروني أذكركم" [البقرة 152] .

وهذه النصوص في المادة الواحدة تلزم المفسر والدارس لكتاب الله بأن يدرك العلاقات بين دلالات المادة الواحدة؛ إذ ليس كلها دالة على العمد دون الخطأ، ولا دالة على قدر واحد لا يتفاوت في نسبه ومستوياته؛ فمنه الكبير والصغير، ومنه الكثير والقليل!. فبهذه الدقة وهذه الحاسة الإدراكية يستطيع المفسر أن يعي أمورا تشتبه على الناس، فيظنوا بها التناقض أحيانا؛ وهذا بُعْد جديد من دلالات المفردات القرءانية يجب التوافر على خدمته, والله المستعان!.

ثم تشتد درجة الإلزام للمفسر عندما يدرس مادة قرءانية لا مجرد ترادف في اللغة فما بالنا إذا جمع القرءان في موضع واحد بين المترادفين ثم إن مادة تسبق مادة في الرتبة وفي درجة الدلالة إن اتحاد هذه القواعد البحثية وإلزام المفسر بها والتسليم لجدوى النفع بها .. ، كل هذا يصل بالمفسر إلى غاية ءامنة, وتجلي له حقائق دلالية، وتبرز عناية المفسر وتقديره لخصائص لغة القرءان: اللسان العربى المبين.

ولقد نتج عن هذه الدراسة:

1 -أن قوله تعالى"لايضل ربي ولا ينسى"لا يستغني عنه المقام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت