يَنْسَى) في فاعل"يَنْسَى"قولان: أحدهما: أنه عائد على (ربّي) أي: ولا يَنْسَى رَبِّي ما أثبته في الكتاب. والثاني: أن الفاعل ضمير عائد على الكتاب على سبيل المجاز كما أسند اليه الإحصاء مجازًا في قوله: (إلا أحْصَاهَا) لما كان محلًا للإحصاء. قال مجاهد في قوله: (لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى) : إن معنى اللفظين واحد، أي: لا يذهب عليه شيء ولا يخفى عنه. وفرق الأكثرون بينهما، فقال القفال: لا يَضِلُّ عن الأشياء ومعرفتها، وما عُلِم من ذلك لم ينسه، فاللفظ الأول إشارة إلى كونه عالمًا بكل المعلومات، وقوله:"ولاَ يَنْسَى"دليلٌ على بقاء ذلك العلم أبد الآباد، وهو إشارة إلى نفي التغير. وقال مقاتل: لا يخطئ ذلك الكتاب رَبِّي، ولا يَنْسَى ما فيه. وقال الحسن: لا يخطئ وقت البعث ولا ينساه. وقال أبو عمرو: وأصل الضلال الغيبوبة، والمعنى: لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء. وقال ابن جرير: لا يُخطئ في التدبير، فيعتقد فيما ليس بصواب كونه صوابًا، وإذا عرفه لا ينساه). وكلها متقاربة، والتحقيق هو الأول"."
فواضح أن ابن عادل -بعد أن ذكر كلام العلماء، يختار أن يكون معنى اللفظين في (الضلال) و (النسيان) : واحد [1] .
وقد رضي الألوسي وصرح بإعجابه بالتفريق الدلالي بينهما فقال في تفسيره (روح المعاني) :"وتفسير الجملتين بما ذكر مما ذهب إليه القفال، ووافقه بعض المحققين، ولا يخفى حسنه".
وقال الألوسي في تفسيره:"وزعم بعضهم أن الجملة في موضع الصفة لكتاب والعائد إليه محذوف أي لا يضله ربى ولا ينساه وقيل: العائد ضمير مستتر في الفعل وربي نصب على المفعول أي لا يضل الكتاب ربى أي عنه وفى ينسى ضمير عائد إليه أيضا أي ولا ينسى الكتاب شيئا أي لا يدعه على حد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؛ والعجب كل العجب من العدول عن الظاهر إلى مثل هذه الأقوال وإظهار ربى في موقع الإضمار للتلذذ بذكره تعالى ولزيادة التقرير والإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضى عدم الضلال والنسيان حتما وقرأ الحسن وقتادة والجحدرى وحماد بن سلمة وابن محيصن وعيسى الثقفى لا يضل بضم الياء من أضل وأضللت الشيء وضللته قيل بمعنى ... وذكر أبو البقاء في توجيه هذه القراءة وجهين جعل ربي منصوبا على المفعولية والمعنى لا يضل أحد ربي عن علمه وجعله فاعلا، والمعنى لا يجد ربى الكتاب ضالا أي ضائعا. وقرأ السلمى لا يُضَل ربى ولا يُنْسى ببناء الفعلين لما لم يسم فاعله".
(1) - روى الطبري في تفسيره (جامع البيان في تأويل القرءان) :"عن مجاهد، قوله (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) قال: هما شيء واحد".