بالصواب، من قرأ: (أو نُنْسها) بمعنى: نتركها؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه مهما بدل حكما أو غيره، أو لم يبدله ولم يغيره، فهو ءاتيه بخير منه أو بمثله. فالذي هو أولى بالآية، إذْ كان ذلك معناها، أن يكون - إذ قدم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم ءاية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير. فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله: (ما ننسخ من ءاية) . قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت، فهو يشتمل على معنى (الإنساء) الذي هو بمعنى الترك، ومعنى (النَّساء) الذي هو بمعنى التأخير. إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك". ويقوي اختياره بقوله:"وقد أنكر قوم قراءة من قرأ: (أو نَنْسها) ، إذا عنى به النسيان، وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرءان شيئا مما لم ينسخ، إلا أن يكون نسي منه شيئا، ثم ذكره. قالوا: وبعد، فإنه لو نسي منه شيئا لم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه، بجائز على جميعهم أن ينسوه. قالوا: وفي قول الله جل ثناؤه: (ولَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالذِي أَوْحَيْنَا اليْكَ) [الإسراء: 86] ما ينبئ عن أن الله تعالى ذكره لم يُنس نبيه شيئا مما ءاتاه من العلم. قال أبو جعفر: وهذا قول يشهد على بُطُوله وفساده، الأخبار المتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنحو الذي قلنا ... حدثنا أنس بن مالك: أن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة، قرأنا بهم وفيهم كتابا: بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. ثم إن ذلك رفع. وغير مستحيل في فطرة ذي عقل صحيح، ولا بحجة خبر أن يُنسي الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعض ما قد كان أنزله إليه. فإذْ كان ذلك غير مستحيل من أحد هذين الوجهين، فغير جائز لقائل أن يقول: ذلك غير جائز. وأما قوله: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا اليك) ، فإنه جل ثناؤه لم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله، بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه. وقد قال الله تعالى ذكره: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إلا مَا شَاءَ اللَّهُ) [الأعلى:6 - 7] ، فأخبر أنه يُنسي نبيه منه ما شاء. فالذي ذهب منه الذي استثناه الله. فأما نحن، فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى، لا إنكار أن يكون الله تعالى ذكره قد كان أنسى نبيه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله". انتهى كلام الطبري."
وهذا الإمام ابن عادل (775) يقول في تفسيره (اللباب في علوم الكتاب) :"وفيها ثلاث عشرة قراءة: ... وقال الزجاج: هذه القراءة لا يتوجّه فيها معنى الترك، لا يقال: أنسى بمعنى ترك. قال الفارسي وغيره: ذلك متّجه؛ لأنه بمعنى نجعلك تتركها، وضعف الزجاج أيضًا تحمل الآية على معنى النسيان ضد الذكر وقال: إن هذا لم يكن له عليه السلام ولا نسي"