الصفحة 3 من 36

المُحدِّثين= فيبعد بعد ذلك أن يُعزى هذا القول- وهو عدم إجزاء الحديث المعنعن مطلقًا- إلى أحد أساطين الحديث, وأُمراء المؤمنين فيه: (شعبة بن الحجَّاج) , وهو قول مخالف لِما نقله المصنِّفون الذين ذكرنا محلَّ إجماع بين أهل الحديث!

وإنّ من الأهمية التصنيفيّة بمكان, وضع نصوص أهل العلم المستشهد بهم لقضية ما تحت ترجمةٍ مناسِبَةٍ لفحواهُ ولحنِه, وقد مضى الأمرُ في نسبة هذا القول إلى متأخِّري الفقهاء, حتى إذا جاء القرن الخامس, تنازَعَ دلالةَ النُّصوص المنقولة عن شعبة= إمامانِ من أئمة ذلك القرن في المشرق والمغرب؛ فحين ذهب حافظُ المشرق: الخطيبُ البغدادي= أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر (ت 463) إلى كونه يندرج تحت باب (ما جاء في المحدث يروى حديثا ثم يتبعه بإسناد آخر) (11) , يعني أنَّه لا يسوق متن الحديث الثاني بل يحيله على متن سابقهِ, وله سلفٌ في هذا المذهب من المتقدِّمين: عبدُ الرزَّاق بن همَّام الصنعاني (ت 211) ؛ فقد فَهِم مثل هذا الفَهم من قول شعبة, فقال:"قال الثوريُّ: إذا كان مثله- يعني حديثًا قد تقدَّم, فقال: مثل هذا الحديث الذي قد تقدم- فان شئت/ فحدث بالمثل على لفظ الأول. قال ... عبدُ الرزاق: وكان شعبةُ لا يرى ذلك" (12) .

ويقابلُهُ عصريُّهُ حافظ المغرب: أبو عمر بن عبد البر, فقد نسب القول بِرَدِّ الحديث معنعن الإسناد إلى شعبة, وهو أوّل من عرفته نوّه بهذه النسبة حيث قال في (باب معرفة المرسل والمسند والمنقطع والمتصل والموقوف ومعنى التدليس) :

"هذه أسماءٌ اصطلاحيَّةٌ, وألقاب اتَّفق الجميعُ عليها, وأنا ذاكرٌ في هذا الباب معانيها- إن شاء الله-: اعلم وفقك الله أنِّي تأمَّلتُ أقاويلَ أئمةِ أهلِ الحديثِ, ونظرتُ في كُتب منِ اشترطَ الصحيحَ في النقلِ منهم, ومن لم يشترطْهُ, فوجدتُّهُم أجمعوا على قبول الاسناد المُعَنْعَن, لا خلاف بينهم في ذلك, إذا جَمَعَ شروطًا ثلاثة, وهي: عدالةُ المحدِّثين في أحوالهم, ولقاءُ بعضهم بعضًا- مجالسةً ومشاهدة-, وأن يكونوا بُرَآءَ مِنَ التَّدليسِ."

والإسنادُ المعنعن: فلان عن فلان, عن فلان, عن فلان. وقد حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن: حدثنا إبراهيم بن بكر: حدثنا محمد بن الحسين بن أحمد الأزدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت