الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وسار على نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين، وبعد:
فإن الصناعة المالية الإسلامية هي السمة البارزة لفقه المعاملات الإسلامية الشرعية في هذا العصر نظرًا لما تمثله هذه الصناعة المالية، من تأكيد عملي تطبيقي لصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان وقدرتها الفائقة على إيجاد الحلول الناجحة والناجعة لما تواجهه البشرية من تحديات وأزمات، وعدم عجزها عن مسايرة أي مدىً يبلغه ركب الحضارة الإسلامية، وقد تأكدت مصداقية الصناعة المالية الإسلامية بشكل لا يقبل الشك والجدل بعد الانهيار المروع الذي اجتاح سوق الصيرفة العالمي والذي كان بمثابة زلزال اقتصادي ومالي لا تزال توابعه الزلزالية تتوالى حتى أيامنا هذه. إن نجاة المؤسسات المالية الإسلامية من هذا الزلزال وتوابعه وعدم تأثرها المباشر به قد لفت الأنظار بقوة إلى الاقتصاد الإسلامي والصيرفة الإسلامية منه على وجه الخصوص، وأبرز كنه هذا الاقتصاد وحقيقته وأنه اقتصاد عيني سلعي له أصول ثابتة وليس اقتصادًا ورقيًا رقميًا، كما هو الاقتصاد الرأسمالي.
وفي ظل تقزم الاقتصاد العيني وتعملق الاقتصاد الرقمي على الصعيد العالمي برزت الصناعة المالية الإسلامية وأخذت تستقطب الاهتمام الدولي بعد أن كان ينظر إليها لدى الأوساط غير المنصفة بأنها صناعة متواضعة وبدائية ومتخلفة، إن حجم أصول الصناعة المالية الإسلامية والذي تعدى التريليون دولار رغم حداثة التجربة المصرفية الإسلامية له من الأدلة الواضحة على ظلم التصنيف لدى بعض الأوساط العالمية للمؤسسات المالية الإسلامية.
وحتى تحافظ المؤسسات المالية الإسلامية على مكتسباتها ومنجزاتها وحتى تقدم البديل المقنع للمؤسسات التقليدية فلابد أن تعمل على اكتساب أكبر قدر ممكن من الثقة والمصداقية وأن تتمتع بقدر كبير من الشفافية التي تؤهلها لمواصلة انطلاقاتها نحو آفاق رحبة من التقدم وتحقيق أكبر قدر ممكن من القوة والرفاه والرخاء للمجتمعات الإسلامية، ولكي تكون البديل المقنع للصناعة المالية التقليدية القائمة على الربا والمقامرة والمضاربة، والتي لا تقوم على أساس ثابت وتتضاءل قدرتها على امتلاك الأصول العينية السلعية التي يمكن أن تلجأ إليها في وقت الأزمات. وحتى تحقق الصناعة المالية هذا كله فلابد لها من أن توجه جزءًا كبيرًا من اهتمامها للحوكمة، وتطبيق معاييرها والعمل بمبادئها في الجوانب الشرعية والمالية والإدارية والفنية المهنية بما يستتبع ذلك من نزاهة وشفافية، وما يتولد عن ذلك كله من أنماط رقابية وتدقيق وإفصاح، حيث إن المؤسسات المالية الإسلامية لا تقل عن المؤسسات المالية التقليدية من حيث حاجتها إلى