المعنى متماسكًا مترابطًا لا يجوز الوقف على الفاصلة لأنه يؤدي إلى فساد المعنى كما بينا.
ومما ينبغي ذكره أيضًا ذلك الارتباط الشكلي بين الفواصل إضافة إلى الارتباط المعنوي، ونقصد به ذلك التشابه أو التقارب الصوتي في حروف الرويّ بين الفواصل في السورة الواحدة، أو في مجموعة من الآيات المتتابعة والتي تتحدث عن موضوع بعينه ولعل الناظر في فواصل الآيات التي تتحدث عن المنافقين والكافرين والمؤمنين وغير ذلك من الموضوعات، يمكنه أن يلاحظ ذلك الارتباط في الحروف التي تختتم بها تلك الفواصل، وما توحيه للقارئ أو السامع أو تتركه في نفسه من معانٍ أو إيحاءات جمالية رائعة، تجعل الكلمات والحروف يستدعي بعضها بعضًا ومن المؤكد أن المحافظة على وحدة أصوات الفواصل القرآنية، ووحدة الحروف التي تختتم بها طمعًا في التطريب الذي تحدثه الفواصل بلفظها ومعناها، تؤدي إلى الحذف الصوتي في أواخر الكلمات الموقوف عليها كما سنرى.
وإذا كان الوقف ظاهرة لغوية وهو قطع النطق على آخر الكلمة له أغراض ثلاثة أولها تمام الغرض من الكلام أي أنه يؤدي وظيفة الفصل بين الجمل والعبارات لبيان الفصل بين مدلولاتها، والثاني لتمام النظم في الشعر، والثالث لتمام السجع في النثر، فإن الحذف أيضًا ظاهرة لغوية تشترك فيها اللغات الإنسانية، وتبدو مظاهرها في بعض اللغات أكثر وضوحًا، وأن ثبات هذه الظاهرة في العربية وفنونها يفوق غيرها من اللغات لما جبلت عليه العربية في خصائصها الأصيلة من ميل إلى الإيجاز، أو رغبة في التطريب أو الموسيقى اللفظية في الكلمات والعبارات نظمًا ونثرًا، اعتمادًا على القرائن الحالية أو المقالية المصاحبة للنص المكتوب أو المقروء. وقد قرر ابن جني أن الحذف يعتري"الجملة والمفرد والحرف والحركة وليس شئ من ذلك إلا عن دليل عليه" [1] ، وإن المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به، إلا أن يعترض هناك من صناعة اللفظ ما يمنع منه [2] ، أي أن كل تقدير لمحذوف يقتضيه المعنى ولا تعارضه قوانين النحو، هو الأصل قبل الحذف.
ومما لاشك فيه أن الحذف المترتب على الوقف في قراءة النص القرآني ينقسم إلى قسمين حذف الصيغ، وحذف التراكيب. وما يعنينا هو الحذف الصوتي، في أواخر الكلمات حيث يحذف حرف أو أكثر من آخر الكلمة الموقوف عليها، أو تحذف الحركة
(1) الخصائص، ج 2، ص 360.
(2) المصدر نفسه، ج 1، ص 284.