الصفحة 13 من 29

أما بالنسبة للأنبياء والكمّل فإن مخالفة الأولى بالنسبة للواحد منهم تعدّ ذنبًا ومعصية، ولكنه ليس ذنبًا بالمعنى الشرعي بالطبع وقد بينّا ذلك فيما قبل. المسألة أنها معصية بالمعنى اللغوي، ذنب بين الإنسان ونفسه، لأنه يبحث عن الأقرب لله والأشد على نفسه، والأولى بالعمل؛ الكامل لا يرضى إلا بما فيه كمال العمل ولا يبحث عن الرخص والمباحات لأنها فقط مباحات وليس في إتيانها ذنب..

وأنت تعرف أن رسولنا الكريم ما خُيّر بين شيئين إلا اختار أشدهما على نفسه؛ الرسول والأنبياء يأتون الأشد على أنفسهم، وهذا ما يتوقعه المرء من هؤلاء من ذوي المراتب الرفيعة والدرجات التامة، أما أنا وأنت فنبحث عن تمام العمل لا عن كماله وفرق بينهما.. أرجو أنه اتضح الآن كيف أن الأنبياء الكرام يعدون ترك الأولى بالنسبة لهم ذنبًا ومعصية على الرغم من خلوه من المعصية الشرعية.

على هذا فقد نستخدم كلمة المعصية والذنب بمعنى أخلاقي أو لغوي وليس بمعنى شرعي.. وإلى الآن نقول لأي شخص نأمره بأمر ولم يستجب"عصيتني"، فهل هو عصاك معصية شرعية؟لا ، ولكن الاستخدام اللغوي يجيز ذلك.

ومن هذا ما جاء في معصية الأنبياء الكرام عليهم السلام، فبعد أن ثبتت عصمتهم، ثبت عدم مخالفتهم أمر مولاهم سبحانه وتعالى، وكل ما جاء مما يُفهَم منه المعصية، فهو بمعنى مخالفة الأولى وبمعنى المعصية اللغوية وبمعنى ترك الأولى ليس إلا، وكل الآيات الكريمة يستقيم معناها استقامة تامة بهذا المعنى.

إن نفس الكامل تأبى أن يأتي بأي عمل إلا في مرتبته العليا الرفيعة الكاملة، ويأبى أن يأتي به ناقصًا ولو ذرة، فهو يحمل على نفسه ويأخذها بالأشد لتستقيم له استقامة تامة ويرضي مولاه غاية الرضا. ولذلك كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله يجهد نفسه غاية الإجهاد في العبادة وفي طاعة مولاه الكريم ليتحقق له مقام العبودية الكامل حتى شهد له مولاه وأشهدنا أنه عبده ورسوله صلى الله عليه وآله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت