نأتي الآن إلى ما استدللت به من الآيات الكريمة على عدم عصمة الأنبياء في غير التبليغ..
ونحن سنأخذ مثالًا واحدًا تستيطع أن تعممه على ما سواه فيتبيّن لك كيف تحمل الآيات الأخرى عليه بعد أن تبيّن لك عصمة الرسول صلى الله عليه وآله..
قال تعالى:
"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1) "سورة التحريم.
سؤالنا لك الآن:
الأمر الذي حرّمه رسول الله صلى الله عليه وآله حرّمه على نفسه أم على أمته؟
الجواب هو حرمه على نفسه.
السؤال الآن بناء على الإجابة السابقة:
أي مخالفة في أن يحرّم المرء على نفسه شيئًا من حلال الله؟
الجواب لا مخالفة، فليس الواجب على المرء أن يفعل هو كل حلال، وكلنا يفعل ذلك، نحن كلنا لا نرغب في أمور كثيرة ولا نأتيها، وقد نعاهد أنفسنا ألا نفعلها، وإنما هي مسألة بين المرء ونفسه؛ فقد تضيق النفس بأمر معين ذرعًا وتكرهه، فيعاهد المرء نفسه ألا يفعله مرة أخرى..إلخ
إذًا لماذا خصصت الآية الرسول الكريم صلى الله عليه وآله بتوجيه العتاب على فعل هو حلال له؟
من ضمن الأجوبة أنه لكي لا يأخذه الناس عنه مع أنه أمر مباح وشخصي، فالرسول الكريم صلى الله عليه وآله والأنبياء الكرام عليه السلام لهم هذه الخصوصية وهي اتباع الناس.. هذا إلى غيره من الأجوبة.
على أننا سنقعد قاعدة واحدة إن وضحت لك فتستطيع أن تقيس عليها ما سواها، وهي مسألة أن تصور المخالفة على قسمين، قسم هو مخالفة الأولى، وقسم هو مخالفة المنهي عنه، والقسم الثاني محرم وفعله ذنب..
ولكن مخالفة ما كان أولى بالفعل لا يعدّ ذنبًا، فإن المرء إذا كان مخيرًا بين أمرين، فالأرجح له أن يفعل أفضلهما ولكنه لو فعل غير الأرحج فلا يكون عاصيًا لأننا افترضنا أنه مخير من الأساس.