أنت؟ قال:"أنا نبي"فقلت: وما نبي؟ قال:"أرسلني الله"فقلت: وبأي شيءٍ أرسلك؟ قال:"أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء"قلت له: فمن معك على هذا؟ قال:"حرٌ وعبد"رواه مسلم. انظر بماذا أرسل .. أرسل لتكسير الأصنام وأن يُوحّد الله، وهل يكون تكسير الأصنام إلا بالقوة والجهاد؟! كما حصل ذلك بعد فتح مكة، وكان يخبر بذلك وهو مستخفٍ قد تجرأ عليه المشركون.
فحياة الناس إذًا بهذين الأمرين، كما جمع الله ذلك فيهما الحياة السعيدة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} ، فالحياة الحقيقية هي حياة من استجاب ظاهرًا وباطنًا لله ورسوله، فهؤلاء الأحياء وإن ماتوا، قال قتادة: هذا هو القرآن الذي فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة، وقال السدي: هو الإسلام أحياهم بعد موتهم بالكفر.
قال ابن القيم رحمه الله عن قوله تعالى {لِمَا يُحْيِيكُمْ} : (الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، أما في الدنيا فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد، وأما في البرزخ فقد قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، وأما في الآخرة فان حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم) أ. هـ.
قال عروة بن الزبير: (قوله {لِمَا يُحْيِيكُمْ} يعني للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذلّ، وقوّاكم بها بعد الضعف ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر لكم، قال ابن إسحاق والواحدي وغيرهم من المفسرين:( {لِمَا يُحْيِيكُمْ} هو الجهاد) , قال الفرّاء: (إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم يريد إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعُف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم) ا. هـ , قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته: (لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل) .
وهذا هو الواقع ما صارت الأمة لهذا المستوى من الذل، حتى وصل بهم الأمر من شدته أنه لا يستطيع أحدٌ أن يكفِّر الكفار ولا الدعاء عليهم على المنابر وغير ذلك، بل وصل الأمر إلى أن عدونا يتصرف في أمورنا كلها سواءً سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، أما محاربتهم للدين فحدِّث ولا حرج قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وأما حسدهم في سائر الأمور فقال تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} وهاهم أعداء الله اليوم قد زادوا في تكشير أنيابهم في عداوتهم للإسلام وأهله.
إذًا لا يمكن أن يرجع للأمة عزتها إلا بالجهاد والنكاية بالعدو، وهذه هي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمن جاء يزور مريضًا، أخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقل: اللهم اشف عبدك، ينكأُ لك عدوًا أو يمشي لك إلى الصلاة".
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمجاهدة بالسيف واللسان، أخرج أحمد بسند صحيح أن كعب بن مالك حين أنزل الله تبارك وتعالى في الشِّعْر ما أنزل، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله تبارك وتعالى قد أنزل في الشِّعر ما قد علمت، وكيف ترى فيه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن المؤمن يجاهد بنفسه ولسانه".
فالقرآن والجهاد تحيى به القلوب الحياة الطيبة، وأعظم من قام بهذين الأمرين لإعلاء كلمة التوحيد هو سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم ومعه صحابته الأطهار رضي الله عنهم أجمعين.