قال ابن تيمية رحمه الله: (وعامة الناس إذا أسلموا بعد كفرٍ، أو وُلِدوا على الإسلام والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمانٌ مجمل، لكنّ دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم يحصلُ شيئًا فشيئًا، إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثيرٌ من الناس لا يَصِلونَ إلى اليقين، ولا إلى الجهاد، ولو شُكِّكوا لشكّوا، ولو أُمروا بالجهاد لما جاهدوا، إذ ليس عندهم من علم اليقين ما يدرأُ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال , فهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتُلوا بمن يدخلُ عليهم شبهاتٍ توجِب ريبتهم فإن لم يُنعِم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوعٍ من النفاق"أ. هـ."
والمقصود مما تقدم؛ أنّه لا يمكن إعلاء كلمة الله، وأن يكون الدين كله لله إلا بأمرين عظيمين؛ العلم والبيان، والسيف والسنان، وقد جَمَع الله بينهما في قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} .
فالهدى والعلم، والسيف والرمح؛ بهما بعثته صلى الله عليه وسلم، جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدي الله الذي أُرسِلتُ به"، وبُعِثَ أيضًا بالسيف والرمح كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بُعِثتُ بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعِل الذلة والصَّغار على من خالف أمري، ومن تشبّه بقومٍ فهو منهم"رواه أحمد وابن أبي شيبة بإسنادٍ لا بأس به.
إذًا بُعث صلى الله عليه وسلم داعيًا بالقرآن، والحجة والبيان، فمن لم يستجب دُعي بالسيف والسنان، وكان من أسمائه الماحي الذي يمحو الله به الكفر، في الصحيحين عن جُبير بن مطعم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنّ لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحوا الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد".
إذًا أُرسِل بإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربه، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، فإن لم يقبلوا هدى الله كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} .
فإذا صار منهم الإعراض عن الحق والمكابرة في ذلك واتبعوا الباطل فليس لهم إلا حصد رؤوسهم كما قال صلى الله عليه وسلم يوم الفتح:"احصدوهم حصدًا"رواه مسلم , وهذا لعظم انقياده لأمر ربه في كل من أعرض عن قبول الحق قال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} .
وأن من قُتِل منهم صار إلى النار ومن قُتِل من المسلمين قال الله عنه: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} ، وهذه هي حياة المؤمنين، دعوتهم الكافرين إلى الكتاب والسنة، وتبيين ذلك لهم، فإن أبوا قوتلوا وهذا هديه صلى الله عليه وسلم مع المشركين بل كان يعدهم بالذبح قبل أن يشرع الجهاد بقوله"لقد جئتكم بالذبح"ووصف عمرو بن عبسة هذه الحال فقال:"كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيًا، جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، وقلت له: ما"