الحمد لله الذي منَّ على من شاء بالاستقامة على الصراط المستقيم، بلزوم كلمة التقوى والعروة الوثقى حتى أتاهم من ربهم اليقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما بعد:
فإن الله بفضله وكرمه أمر عباده بالاستقامة والمداومة على الأعمال والثبات على ذلك، قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا} ، فبين تعالى أنه أمر خليله وعباده بالاستقامة وهي ضد الطغيان الذي هو مجاوزة الحدود.
والاستقامة هي لزوم الطاعة والمداومة عليها، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر عند قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} :"أي استقاموا والله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعلب"رواه ابن المبارك وابن جرير [1] .
قال الحسن:"استقاموا على أمر الله، وعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته"، وقال ابن زيد:"على عبادة الله وطاعته".
ومعلوم أن أعظم الطاعة هو توحيد الله وإفراده بالعبادة، وعدم جعل شريك معه، قال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} . والاستقامة تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات. قال ابن رجب رحمه الله: (والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ويسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك) اهـ.
وإن من أعظم نعم الله على عبده معرفة الصراط المستقيم وسلوكه، ولذا تجد العبد المسلم في كل ركعة يسأل المولى أن يهديه هذا الصراط الذي لا اعوجاج فيه حينما يقرأ قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} الذي من سلكه لم يلتفت بقلبه إلى ما سوى ربه لا بالحب ولا بالخوف ولا بالرجاء ولا بالسؤال ولا بالتوكل، فلا تستشرف قلوب من سلك الصراط المستقيم إلى غيره.
بل لا يحبون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يخافون غيره كائنًا من كان، بل يعلمون بأن نواصي العباد كلها بيده وحده يصرفها كيف يشاء، فمن علم بأن نفسه بيد ربه وسيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه، وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاءه بيده سبحانه ليس إلى العبد منه شيء ومن علم فقره وضرورته إلى ربه وصفًا لازمًا، ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم، ولم يعلّق أمله ورجاءه بهم، فهنا يستقيم توحيده وتوكله وعبوديته كما قال هود لقومه: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} .
فوصف نفسه بأنه على صراط مستقيم، ووصف كلماته فقال: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
فخبره كله صدق، وقضاؤه كله عدل، وأمره كله مصلحة، والذي نهى عنه كله مفسدة، وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته، وعقابه لمن يستحق العقاب بعدله وحكمته.
فكل ما أخبر به فهو حقٌ لا مرية فيه ولاشك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى عن مصلحة، فأفعاله كلها مصالح وحكم ورحمة وعدلٌ وخير، فالشر لا يدخل في أفعاله ولا أقواله البتة، لخروج الشر عن الصراط المستقيم.
(1) وإسناده منقطع.