ج / 2 ص -82- الحديثان يدلان على تحريم لبس الحرير لما في الأول من النهي الذي يقتضي بحقيقته التحريم وتعليل ذلك بأن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة والظاهر أنه كناية عن عدم دخول الجنة وقد قال اللَّه تعالى في أهل الجنة {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} فمن لبسه في الدنيا لم يدخل الجنة روى ذلك النسائي عن ابن الزبير وأخرج النسائي عن ابن عمر أنه قال: واللَّه لا يدخل الجنة وذكر الآية وأخرج النسائي والحاكم عن أبي سعيد أنه قال: وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه . ويدل على ذلك أيضًا حديث ابن عمر عند الشيخين بلفظ:"قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم: إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة". والخلاق كما في كتب اللغة وشروح الحديث النصيب أي من لا نصيب له في الآخرة وهكذا إذا فسر بمن لا حرمة له أو من لا دين له كما قيل . وهكذا حديث ابن عمر عند الستة إلا الترمذي بلفظ:"أنه رأى عمر حلة من إستبرق تباع فأتى بها النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفود فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم: إنما هذه لباس من لا خلاق له ثم لبث عمر ما شاء اللَّه أن يلبث فأرسل إليه صلى اللَّه عليه وسلم بجبة ديباج فأتى عمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه قلت إنما هذه لباس من لا خلاق له ثم أرسلت إليَّ بهذه فقال صلى اللَّه عليه وآله وسلم: إني لم أرسلها إليك لتلبسها ولكن لتبيعها وتصيب بها حاجتك". ومن أدلة التحريم حديث عقبة بن عامر السابق في الباب الذي قبل هذا الكتاب فإن قوله لا ينبغي هذا للمتقين إرشاد إلى أن لابس الحرير ليس من زمرة المتقين . وقد علم وجوب الكون منهم ومن ذلك ما عند البخاري بلفظ:"الذهب والفضة والحرير والديباج لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"ومن ذلك حديث أبي موسى وعلي وحذيفة وعمر وأبي عامر وستأتي وإذا لم تفد هذه الأدلة التحريم فما في الدنيا محرم . وأما معارضتها بما سيأتي فستعرف ما عليه . وقد أجمع المسلمون على التحريم ذكر ذلك المهدي في البحر وقد نسب فيه الخلاف في التحريم إلى ابن علية وقال: إنه انعقد الإجماع بعده على التحريم . وقال القاضي عياض: حكي عن قوم إباحته وقال أبو داود: إنه لبس الحرير عشرون نفسًا من الصحابة أو أكثر منهم أنس والبراء بن عازب ووقع الإجماع على أن التحريم مختص بالرجال دون النساء وخالف في ذلك ابن الزبير مستدلًا بعموم الأحاديث ولعله لم يبلغه المخصص الذي سيأتي . وقد استدل من جوز لبس الحرير بأدلة منها حديث عقبة بن عامر المتقدم في الباب الذي قبل الكتاب وقد عرفت الجواب عن ذلك فيما سلف . ومنها حديث أسماء بنت أبي بكر في الجبة التي كان يلبسها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في باب إباحة اليسير من الحرير وسنذكر الجواب عنه هنالك ومنها حديث المسور بن مخرمة عند الشيخين أنها قدمت للنبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أقبية فذهب هو وأبوه إلى النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم لشيء منها فخرج النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم وعليه قباء من ديباج مزرور فقال: يا مخرمة خبأنا لك هذا وجعل يريه محاسنه وقال: أرضي مخرمة"والجواب أن هذا فعل لا ظاهر له والأقوال صريحة في التحريم على أنه لا نزاع أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يلبس الحرير ثم كان التحريم آخر الأمرين كما يشعر بذلك"