ج / 1 ص -21- والاستقذار . وعن حديث أبي ثعلبة بأن الأمر بغسل الآنية ليس لتلوثها برطوباتهم بل لطبخهم الخنزير وشربهم الخمر فيها يدل على ذلك ما عند أحمد وأبي داود من حديث أبي ثعلبة أيضًا بلفظ:"إن أرضنا أرض أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم"وسيأتي .
ومن أجوبة الجمهور عن الآية ومفهوم حديث الباب بأن ذلك تنفير عن الكفار وإهانة لهم وهذا وإن كان مجازًا فقرينته ما ثبت في الصحيحين من أنه صلى اللَّه عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سواري المسجد . وأكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر . وأكل من الجبن المجلوب من بلاد النصارى كما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر . وأكل من خبز الشعير والإهالة لما دعاه إلى ذلك يهودي وسيأتي في باب آنية الكفار وما سلف من مباشرة الكتابيات والإجماع على جواز مباشرة المسبية قبل إسلامها وتحليل طعام أهل الكتاب ونسائهم بآية المائدة وهي آخر ما نزل وإطعامه صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه للوفد من الكفار من دون غسل للآنية ولا أمر به ولم ينقل توقي رطوبات الكفار عن السلف الصالح ولو توقوها لشاع . قال ابن عبد السلام: ليس من التقشف أن يقول أشتري من سمن المسلم لا من سمن الكافر لأن الصحابة لم يلتفتوا إلى ذلك .
وقد زعم المقبلي في المنار أن الاستدلال في الآية المذكورة على نجاسة الكافر وهم لأنه حمل لكلام اللَّه ورسوله على اصطلاح حادث وبين النجس في اللغة وبين النجس في عرف المتشرعة عموم وخصوص من وجه فالأعمال السيئة نجسة لغة لا عرفًا والخمر نجس عرفًا وهو أحد الأطيبين عند أهل اللغة والعذرة نجس في العرفين فلا دليل في الآية انتهى .
ولا يخفاك أن مجرد تخالف اللغة والاصطلاح في هذه الأفراد لا يستلزم عدم صحة الاستدلال بالآية على المطلوب والذي في كتب اللغة أن النجس ضد الطاهر قال في القاموس: النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك وككتف وعضد ضد الطاهر انتهى . فالذي ينبغي التعويل عليه في عدم صحة الاحتجاج بها هو ما عرفناك وحديث الباب أصل في طهارة المسلم حيًا وميتًا أما الحي فإجماع وأما الميت ففيه خلاف .
فذهب أبو حنيفة ومالك ومن أهل البيت الهادي والقاسم والمؤيد باللَّه وأبو طالب إلى نجاسته وذهب غيرهم إلى طهارته واستدل صاحب البحر للأولين على النجاسة بنزح زمزم من الحبشي وهذا مع كونه من فعل ابن عباس كما أخرجه الدارقطني عنه وقول الصحابي وفعله لا ينتهض للاحتجاج به على الخصم محتمل أن يكون للاستقذار لا للنجاسة ومعارض بحديث الباب وبحديث ابن عباس نفسه عند الشافعي والبخاري تعليقًا بلفظ:"المؤمن لا ينجس حيًا ولا ميتًا"وبحديث أبي هريرة المتقدم . وبحديث ابن عباس أيضًا عند البيهقي"إن ميتكم يموت طاهرًا فحسبكم أن تغسلوا أيديكم"وترجيح رأي الصحابي على روايته عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ورواية غيره من الغرائب التي لا يدرى ما الحامل عليها .
وفي الحديث من الفوائد مشروعية الطهارة عند ملابسة الأمور العظيمة واحترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات وإنما حاد حذيفة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم وانخنس أبو هريرة لأنه صلى اللَّه عليه وسلم