أَلِفَ النّاظر في القصائد المُطوّلات، ذوات المِئِين من الأبيات، أن يرى ضعفًا يَدِبّ في أوصالها، وهَلْهَلةً في قوافيها، وتَكرارًا في مبناها ومعناها، وضِيقًا يتفشّى في ثناياها تكاد تتقطّع حَرَجًا له أَنْفاس الشّعراء، كأنّما يصَّعَّدون في السّماء، إلاّ من كانت له شفاعةٌ من طَبْعٍ فُطِر عليه، وغَزارةٍ من قوافٍ ومعانٍ رُزِقها، وقد كان الهَمْدانيّ في مطوّلته هذه، ذاك الرّجل، إذ يَحار المرء ـ وهو يسرِّح طَرْفَه فيها ـ في قوّة إحكامها، وحُسْن سَبْكِها، وفخامة لفظها، فلله أنت، يا أبا محمّد!
وقد قُرِئتْ هذه المُطوّلة مرّاتٍ عدّة، وكلمّا ظنّ قارئها أنّه انتهى من قراءتها القراءة التي يرتضيها، ويطمئنّ بها طمأنينةً تدفعه إلى إخراجها، تردّد وعَلَتْه الرِّقْبة، وما زالت هذه حاله وحالها، حتى قُرِئت تامّةً على د. محمد شفيق البيطار، ذي البَصَرِ والبصيرة النّافذين، حينئذٍ رضيت النّفس، وانقشعت عنها سحائب رَيْبها.
غير أنّ ثمّة ألفاظًا لا يشعر القارئ ببرد اليقين حين يقرؤها، ولا يَلَذُّ به، لذا لا بُدَّ من التّنبيه عليها، يَنضاف إلى ذلك سَرْد الضّرائر التي وقع فيها الهَمْدانيّ:
أمّا الألفاظ التي بدت عصيّة الفهم أو الرسمّ، فهي: «يُصالي» وردت في البيت 535، ولعلّها من الألفاظ التي غفلت عنها معجمات العربيّة، فهي عِلاوةً على مجيئها هنا جاءت غيرما مرّةٍ في الإكليل وصفة جزيرة العرب، ممّا ينمّ على أصالتها وفصاحتها. و «الأُثْفاة» وردت في البيت 137، وهي غير مأنوسة، كما لم تُصَبْ في معجمات العربيّة الموقوف عليها، ولا يُطمأن إلى أنّها مُنقلبة عن أُثْفِيَّة أو أُثْفِيَة. و «تهمونا» ، وردت في البيت 290، ولا يستقيم الوزن بهذا الرسم، لذا زِيْدَ فيها ميمٌ آخر ـ على أنّ الفعل مضعّف، وقد فُكّ التّضعيف للضّرورة ـ وثمّة وجهٌ آخر لقراءتها بزيادة تاء في أوّل الفعل، والأوّل أوجه. وصُدِّر البيت 558 بقول الهَمْدانيّ: «ومنّا راويو خبر البرايا» ، والوجه «راوو خبر البرايا» ، وبه يختلّ الوزن. وصُدِّر البيت 578 بقوله: «وما كجوادنا فيكم جوادًا» ، ولم أدرِ ما وجه نصب «جوادًا» والوجه فيه الرّفع. وجاء في البيت 583 تمييز المئتين جمعًا، والإفراد فيه الوجه. وجاءت آخر لفظة في صدر البيت 598 مطموسة، سوى حرف أشبه الكاف، فُرُسِمت «كِذْب» ، وهذا الرسم يوافق المعنى وفيه ضعف، غير أنّ لفظة «شَكٍّ» مكانه ألْيَط، وإنْ لم يُعِنْ عليها الوَشْم المتبقي في الكلمة الدّارسة.
وأمّا الضّرائر التي وقع فيها الهَمْدانيّ فهي:
أ ـ جزم الفعل بلا جازم، ورد ذلك في البيت 323 «تقتلوه» .
ب ـ عدم جزم الفعل المسبوق بحرف جزم، ورد ذلك في البيت 589 «نحصي» .
ج ـ منع الاسم المصروف من الصرف، تكرّرت هذه الضّرورة في الدّامغة تسع مرّات، ولم يحمد عليها، ويعدّ مَنْعُ الاسم المصروف من الصّرف، من أَقْبَح الضّرائر، لأنّ الشّاعر إنّما يخرج بها من الأصل في الأسماء، وهو أن تكون مصروفةً، إلى الفرع وهو مَنْعها من الصّرف، وقد مَنَع ذلك أكثر البصريّين، إلا أنّ وروده في أشعار العرب يُرجّح جوازه في ضرورة الشّعر، وقد وردت هذه الضرورة في سبعة أسماء، هي: عابس: 82، وحراء: 159، وعامر: 415، 552، 569، وظالم: 490، وياسر: 513، ومسهر: 564، وبحدل: 580.