إلى عهدنا هذا، بله رجلا كان في القرن الثامن الهجري وشايعه من انخدع بآرائه، ماذا قال نبي الله نوح لقومه الوثنيين؟ فقلت استغفروا ربكم، وأقام لهم البرهان على توحيد الربوبية، لما تقرر في عقول الناس أنها لا تعبد غير الله إلا إذا أشركت هذا الغير في الربوبية، فإذا انمحى عنها هذا الإشراك تبعه التوحيد في العبودية. ماذا قال إبراهيم لذلك الذي حاجه في ربه؟ قال ربي الذي يحيي ويميت، وقال عليه السلام لقومه تنزلا معهم ليهديهم إلى الحق: هذا ربي، هذا ربي، ولم يقل إلهي، وكان نهاية الحجة أن قال {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 79] وما هذا إلا توحيد الربوبية المستلزم في كل عقل إذا سلمه توحيد الألوهية. وقال الخليل عليه السلام أيضا لعباد الأصنام: {بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ} [الأنبياء: 56] الآية. أليس هذا إضرابا إبطاليا لما اعتقدوه من ربوبية الأصنام؟ وأقام الدليل الحسي عليه السلام على عجز الأصنام بتكسيره إياها بيانا لعابديها أنها لو كانت أربابا كما اعتقدوا لاستطاعت الدفع عن نفسها، فإذا بطلت ربوبيتها زالت عن المخاطبين عبادتها، وذلك جلي لا يخفى والمناقشة فيه مكابرة. وقال موسى وهارون عليهما السلام: إنا رسول رب العالمين. ولما سألهما قال رب السموات والأرض وما بينهما ربكم ورب آبائكم الأولين رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون. وقال فرعون مرة: ما علمت لكم من إله غيري، وقال أخرى: أنا ربكم الأعلى، ويقول الله لعيسى بن مريم: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ فيقول بعد كلام حكاه عنه التنزيل ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم. فلو كان توحيد الربوبية لا يستلزم عندهم توحيد الألوهية كما زعم الخراصون لتوجه على المسيح عليه السلام أن يقال له: ما أديت رسالتنا فإنا إنما أرسلناك بتوحيد الألوهية، ولم تكلفك ببيان توحيد الربوبية لأنهم مقرون به، ولكنا نرى الله تعالى قد قبل منه هذه الحجة أفلا يكون في ذلك على ما نقول أبين حجة وعنه عليه السلام