فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 133

الأمر تماما فيمن قال: لا أو من بالله لأنه لا تدركه حاسة من حواسنا، فيقال له إن ربك فوق محيط هذه المحسات كلها، وقد وهبك قوة أخرى هي الحاكمة على تلك المدركات، وهي العقل، وبها تعرف ما علا عن الحواس. وأنت لا تشك في أنك عاقل، فهل تدرك عقلك بأحدى هذه الحواس؟ كلا، وأنت تفرح وتحزن وتلتذ وتتألم، وتجوع وتعطش، أفتدرك هذه الصفات أو واحدة منها بهذه الحواس التي تأتى أن تؤمن بما لم تدركه بها؟ كلا ثم كلا، وكما أن قوة البصر عند الظلمة لا تدرك شيئا مما تقع عليه فإذا جاء الضياء أدركت، كذلك قوة العقل إذا تكاثرت عليها الشهوات والأوهام تعطلت عن أداء وظيفتها، فإذا استعملت مصباح البرهان واستضأت بضياء القرآن تكشف لك الحق جليا، وقام لك البرهان على الرحمن مقام العيان للأكوان، فآمنت بالغيب مستبصرا وانبثقت عن هذا الإيمان الأعمال الصالحة تترا، وكنت حينئذ قد جانبت الاعتساف، وحييت بروح الأنصاف، وتحليت بفصائل أفاضل نوعك، وصح لك أن تدخل في الذين استثناهم الله تعالى من الرد إلى أسفل سافلين حيث قال {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 6] فالإيمان بالحق المقدس عن المادة وصفاتها انصياعا لما سطع من البرهان وإن كان تصديقا بما لم تره عين أو تلمسه يد ليس جريا وراء الأوهام ولا دخولا في عداد العوام بل هو فضيلة الحكيم المنصف وميزة الإنسان الذي تسنم ذروة الشرف، وخصيصة أهل الثقافة الحقة غير المزيفة، والخلو من هذا الإيمان عياذا بالله تعالى مراغمة للأدلة وانحرافا عن الحجج الحقة، ليس إلا انحدارا إلى منزلة الأنعام، وإطفاء لنور وظيفة القوة العاقلة، التي هي أكبر مميزات الإنسان، وانغماسا في حمأة الأوهام وخروجا عن حدود العلم الصحيح، وغرقا في الجهل الذي هو أقبح قبيح. ولقطع أعذار المتعللين ترى القرآن العظيم مملوءا بأسطع البراهين على ما يدعو إليه الخلق أجمعين فكان للعقول الكاملة بمنزلة النور للباصرة، وللمجموعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت