على مخالفة الواحد القهار، والأديب اللبيب يعطى كل مقام حقه. وللكلام بسط ليس هذا موضعه. ولا يظن ظان أن اعترافه بذنبه لمولاه وتوبته إليه مع سبق قدره سبحانه هو محض مجاملة منه لربه، وإنما هو الحق الذي يجب أن يعترف به لمولاه من صميم فؤاده، فإنه رفع المؤاخذة عن عبده حين يكون العبد لا دخل له في الذنب. كأن كان مجنونا أو مكرها، أو لا يزال في ضعف الصبا لم يبلغ الحنث ألا تراهم أجمعوا على أن شروط التكليف: البلوغ والعقل. وأن شرط المؤاخذة الاختيار، أما وقد أعطاه الشعور وخلق فيه الأرادة والقدرة، وأعطاه المكنة والاستطاعة، وعرفه كيف الاحتيال لدفع الشر والامتناع من الشيطان، فقصر فيما أمر فقد توجهت عليه المسئولية، وقد فتح له باب المتاب ووعده بالمغفرة عند الاستغفار، فإذا أطاع هواه ولم يفعل فلا يلو من إلا نفسه.
ــ فإن قلت ــ ألا جعل الكل موفقين؟ قلنا: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإذا قلت في المخلوقين: ما على المحسنين من سبيل، أفلا يكون ذلك منك في خالقك أولى؟ وبك أحرى؟ ولله أسرار في تقسيم الخلق إلى ما انقسموا إليه من طائع وعاص، ومؤمن وكافر، وغنى وفقير، وصحيح ومريض، وعزيز وذليل، ورعاة ورعايا، إلى غير ذلك، لا يحيط بها إلا هو جل جلاله، ولو انكشف بعضها فضلا عن جميعها لعلم من كوشف أن الحق كله لله، وضل عنه كل ما يحتج به لنفسه، ولكن دون أسرار القدر حجب، فتب مستبصرا، وسلم لربك مخلصا، وخذ حذرك مما يغضبه، واتهم عقلك فيما يحاوله، فمقام الألوهية في اتساع العلم وعلو الحكمة، وكمال القدس، وإحاطة الرحمة، أجل من أن تحيط بمبادئ كماله العقول الكبرى وإن اتسعت، ولهذا اختصر لنا الطريق وقيل لنا (لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون) ولا تسمح هذه العجالة بأكثر من ذلك،