-شُكُورًا [الإنسان:9] . وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:29] . وقال تعالى: {وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء:19] . وقال تعالى: {ف قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) } [الزمر:2 - 3] . وقال تعالى: {قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر:14] . وقال تعالى: {* وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء:36] . وقال تعالى: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات:56] .
ولا عبادة إلاّ بإرادة الله، ولما أمر به، قال [في نسخة: وقال] تعالى: {بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [البقرة:112] أي: أخلص قصده لله. وقال تعالى: {وَما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] .
وإخلاص الدين له: هو إرادته وحده بالعبادة. وقال تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] . وقال تعالى: {وَالَّذِيْنَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ} [البقرة:165] . وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [آل عمران:31] . وكل محبّ فهو مريد، وقال الخليل عليه السّلام: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام:76] ، ثم قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ [الأنعام:79] . ومثل هذا كثير في القرآن، يأمر الله بإرادته، وإرادة ما يأمر به، وينهى عن إرادة غيره، وإرادة ما نهى عنه. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها [في نسخة: يتزوجها] ، فهجرته إلى ما هاجر إليه» . فهما إرادتان: إرادة يحبها الله ويرضاها، وإرادة لا يحبها الله ولا يرضاها، بل إمّا نهى عنها، وإمّا لم يأمر بها ولا ينهى عنها.
والناس في الإرادة ثلاثة أقسام: قوم يريدون ما يهوونه، فهؤلاء عبيد أنفسهم والشيطان. وقوم يزعمون أنهم فرغوا من الإرادة مطلقا، ولم يبق لهم مراد إلا ما يقدّره الرب، وأن هذا المقام هو أكمل المقامات، ويزعمون أن من قام بهذا فقد قام بالحقيقة، وهي الحقيقة القدرية الكونية، وأنه شهد القيّوميّة العامّة، ويجعلون الفناء في شهود توحيد الربوبيّة هو الغاية، وقد يسمون هذا الجمع والفناء والاصطلام، ونحو ذلك، وكثير من الشيوخ زلقوا في هذا الموضع. وفي هذا المقام كان النزاع بين الجنيد بن محمد وبين طائفة من أصحابه الصوفية، فإنهم اتّفقوا على شهود توحيد الربوبية، وأن الله خالق كل شيء وربّه ومليكه، وهو شهود القدر، وسمّوا هذا مقام الجمع، فإنه خرج به عن الفرق الأول، وهو الفرق الطبيعي بإرادة هذا وكراهة هذا، ورؤية فعل هذا وترك هذا، فإن الإنسان قبل أن يشهد هذا التوحيد يرى للخلق فعلا يتفرق به قلبه في شهود أفعال المخلوقات، ويكون متبعا لهواه فيما يريده، فإذا أراد الحق خرج بإرادته عن إرادة الهوى والطبع، ثم يشهد [في نسخة: شهد] أنه خالق كل شيء، فخرج بشهود هذا الجمع عن ذاك الفرق، فلما اتفقوا على هذا ذكر لهم الجنيد بن محمد الفرق الثاني، وهو بعد هذا الجمع، وهو الفرق الشرعي: ألا ترى أنك تريد ما أمرت به، ولا تريد ما نهيت عنه؟ وتشهد أن الله هو يستحق العبادة دون ما سواه، وأن عبادته هي بطاعة رسله، فتفرق -