فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 291

كلّ خير، ومنبعا (1) لكلّ نعمة وسرور، وحبور، وضياء أمن (2) وسكون.

فالفناء والمنى، والمبتغى والمنتهى، حدّ ومردّ ينتهي إليه مسير الأولياء، وهو الاستقامة الّتي طلبها من تقدّم من الأولياء والأبدال: أن يفنوا عن إرادتهم وتبدّل بإرادة الحقّ عزّ وجلّ، فيريدون بإرادة الحقّ أبدا إلى الوفاة، فلهذا سمّوا: أبدالا، رضي الله عنهم.

فذنوب هؤلاء السّادة: أن يشركوا إرادة الحقّ بإرادتهم على وجه السّهو والنّسيان، وغلبة الحال والدّهشة، فيدركهم الله تعالى برحمته بالتّذكرة واليقظة، فيرجعوا عن ذلك ويستغفروا ربّهم.

إذا لا معصوم عن الإرادة إلاّ الملائكة، عصموا عن الإرادة، والأنبياء عصموا عن الهوى، وبقيّة الخلق من الإنس والجنّ المكلّفين لم يعصموا منهما، غير أنّ الأولياء بعضهم يحفظون عن الهوى، والأبدال عن الإرادة، ولا يعصمون منهما على معنى يجوز في حقّهم الميل إليهما في الأحيان، ثمّ يتداركهم الله عزّ وجلّ باليقظة برحمته (3) .

1)تحرف في المطبوع: (ومنيعا) .

2)في نسخة: (وأمن) .

3)قال شيخ الإسلام في تعليقته على فتوح الغيب: هذا المقام هو آخر ما يشير إليه الشيخ عبد القادر رضي الله عنه، وحقيقته: أنه لا يريد كون شيء إلا أن يكون مأمورا بإرادته، فقوله: «علامة فناء إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مرادا قط» . أي: لا تريد مرادا لم تؤمر بإرادته، فأما ما أمر [في نسخة: أمرك] الله ورسوله بإرادتك إياه، فإرادته: إمّا واجب، وإمّا مستحب. وترك إرادة هذا: إمّا معصية، وإما نقص. وهذا الموضع يلتبس على كثير من السّالكين، فيظنون أن الطريقة الكاملة أن لا يكون للعبد إرادة أصلا، وأن قول أبي يزيد: أريد أن لا أريد. لمّا قيل له: ماذا تريد؟. نقص وتناقض، لأنه قد أراد، ويحملون كلام المشايخ الذين يمدحون بترك الإرادة على ترك الإرادة مطلقا، وهذا غلط منهم على الشيوخ المستقيمين، وإن كان من الشيوخ من يأمر بترك الإرادة مطلقا، فإنّ هذا غلط ممّن قاله، فإن ذلك ليس بمقدور ولا مأمور، فإن الحيّ لا بدّ له من إرادة، فلا يمكن حيا أن لا تكون له إرادة [في نسخة: فلا يكون حيّ من الناس إلا أن تكون له إرادة] ، فإن الإرادة التي يحبّها الله ورسوله، ويأمر بها أمر إيجاب أو أمر استحباب، لا يدعها إلا كافر، أو فاسق، أو عاص، إن كانت واجبة. وإن كانت مستحبّة: كان تاركها تاركا لما هو خير له.

والله تعالى قد وصف الأنبياء والصدّيقين بهذه الإرادة، فقال تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِيْنَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52] . وقال تعالى: {وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى} [الليل:19 - 20] . وقال تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت