فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 291

-بين المأمور والمحظور، وبين أوليائه وأعدائه، وتشهد توحيد الألوهية، فنازعوه في هذا الفرق. منهم من أنكره. ومنهم من لم يفهمه. ومنهم من ادّعى أن المتكلم فيه لم يصل إليه. ثم إنك تجد كثيرا من الشيوخ إنما ينتهي إلى ذلك الجمع، وهو توحيد الربوبية، والفناء فيه كما في كلام صاحب منازل السائرين مع جلالة قدره، مع أنه قطعا كان قائما بالأمر والنهي المعروفين، لكن قد يدعون أن هذا لأجل العامّة. ومنهم من يتناقض [في نسخة: يناقض] . ومنهم من يقول الوقوف مع الأمر لأجل مصلحة العامّة، وقد يعبّر عنهم بأهل المارستان. ومنهم من يسمّي ذلك مقام التلبيس. (ومنهم من يقول: إنما التكليف على الإنسان ما دام عبدا، فإذا ترقّى من منزلة العبودية إلى منزلة الحرية سقط عنه التكليف، فلا يبقى عليه تكليف؛ لأن الحرّ لا تكليف عليه لأحد) . ومنهم من يقول: التحقيق أن يكون الجمع في قلبك مشهودا، والفرق على لسانك موجودا، فيشهد بقلبه استواء المأمور والمحظور مع تفريقه بلسانه بينهما. ومنهم من يرى أن هذه هي الحقيقة التي هي منتهى سلوك العارفين، وغاية منازل الأولياء الصدّيقين. ومنهم من يظن أن الوقوف مع إرادة الأمر والنهي يكون في السلوك والبداية، وأما في النهاية فلا تبقى إلا إرادة القدر، وهو في الحقيقة قول بسقوط العبادة والطاعة، فإن العبادة لله والطاعة له ولرسوله، إنما تكون في امتثال الأمر الشرعي لا في الجري مع المقدور، وإن كان كفرا أو فسوقا أو عصيانا [في نسخة: وفسوقا وعصيانا] ، ومن هنا صار كثير من السالكين من أعوان الكفّار والفجّار وخفرائهم، حيث شهدوا القدر معهم، ولم يشهدوا الأمر والنهي الشرعيين. ومن هؤلاء من يقول: من شهد القدر سقط عنه الملام. ويقولون [في نسخة: ويقول] : إن الخضر إنما سقط عنه الملام لمّا شهد القدر.

وأصحاب شهود القدر قد يؤتى أحدهم ملكا من جهة خرق العادة بالكشف والتصرف، فيظن ذلك كمالا في الولاية، وتكون تلك الخوارق إنما حصلت بأسباب شيطانية، وأهواء نفسانية، وإنما الكمال في الولاية أن يستعمل خرق العادات في إقامة الأمر والنهي الشرعيين، مع حصولهما بفعل المأمور وترك المحظور، فإذا حصلت بغير الأسباب الشرعية فهي مذمومة، وإن حصلت بالأسباب الشرعية لكن استعملت ليتوصل بها إلى محرّم كانت مذمومة، وإن توصل بها إلى مباح لا يستعان بها على طاعة كانت للأبرار دون المقربين، وأما إن حصلت بالسبب الشرعيّ واستعين بها على فعل الأمر الشرعي، فهذه خوارق المقرّبين السابقين.

فلا بدّ أن ينظر في الخوارق في أسبابها وغاياتها: من أين حصلت؟ وإلى ماذا أوصلت؟ كما ينظر في الأموال: في مستخرجها ومصروفها؟ ومن استعملها - أعني: الخوارق - في إرادته الطبيعية كان مذموما. ومن كان خاليا عن الإرادتين الطبيعية والشرعية، فهذا حسبه أن يعفى عنه، لكونه لم يعرف الإرادة الشرعية.

وأما إن عرفها وأعرض عنها، فإنه يكون مذموما مستحقّا للعقاب إن لم يعف عنه، وهو يمدح بكون إرادته ليست بهواه، لكن يجب مع ذلك أن تكون موافقة لأمر الله تعالى ورسوله، لا يكفيه أن تكون لا من هذا ولا من هذا، مع أنه لا يمكن خلوه عن الإرادة مطلقا، بل لا بدّ له من إرادة، فإن لم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت