-كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] . وقوله تعالى: {وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة:6] . وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِيْنَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء:26 - 27] . فإن الإرادة هنا بمعنى المحبة والرضا وهي الإرادة الدينية، وإليه الإشارة بقوله: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .
وأما الإرادة الكونية القدرية: فمثل قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ} [الأنعام:125] . ومثل قول المسلمين: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فجميع الكائنات داخلة في هذه الإرادة والإشاءة، لا يخرج عنها خير ولا شرّ، ولا عرف ولا نكر، وهذه الإرادة والإشاءة تتناول ما لا يتناوله الأمر الشرعيّ.
وأما الإرادة الدينية فهي مطابقة للأمر الشرعيّ لا يختلفان، وهذا التقسيم الوارد في اسم الإرادة يرد مثله في اسم الأمر والكلمات، والحكم والقضاء، والكتاب والبعث، والإرسال ونحوه، فإن هذا كلّه ينقسم إلى كوني قدري، وإلى ديني شرعي.
والكلمات الكونية: هي التي لا يخرج عنها برّ ولا فاجر، وهي التي استعان بها النبي صلّى الله عليه وسلم في قوله: «أعوذ بكلمات الله التامّات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر» . قال الله تعالى: {إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82] .
وأما الدينية: فهي الكتب المنزلة التي قال فيها النبي صلّى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله» . وقال تعالى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ} [التحريم:12] .
وكذلك الأمر الديني كقوله تعالى: {* إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها} [النساء:58] . والكونية: {إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا} .
والبعث الديني: كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة:2] .
والبعث الكوني: بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا [الإسراء:5] .
والإرسال الديني: كقوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ} [التوبة:33 والفتح: 28 والصف:9] . والكوني: {أَ لَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم:83] . وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
فما يقع في الوجود من المنكرات هي مرادة لله إرادة كونيّة، داخلة في كلماته التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وهو سبحانه مع ذلك لم يردها إرادة دينية، ولا هي موافقة لكلماته الدينية، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر بالفحشاء، فصارت له من وجه مكروهة. ولكن هذه ليست بمنزلة قبض المؤمن فإن ذلك يكرهه، والكراهة مساءة المؤمن، وهو يريده لما سبق في قضائه له بالموت فلا بد منه، وإرادته لعبده المؤمن خير له ورحمة به، فإنه قد ثبت في الصحيح [مسلم (2999) ] : «أن الله تعالى لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء -