-وأسوئهم أدبا، بل يجب تأديبه وتعزيزه، ويجب أن يصان كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الظنون الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردّد منّا، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منّا، فإن الله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منّا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحبّ من وجه ويكره من وجه، كما قيل:
الشيب كره وكره أن أفارقه ... فاعجب لشيء على البغضاء محبوب
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس، هو من هذا الباب. وفي الصحيح: «حفّت النّار بالشهوات، وحفّت الجنة بالمكاره» . وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216] الآية.
ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث، فإنه قال: «لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه» . فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبا للحقّ محبّا له، يتقرب إليه أوّلا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة بحيث يحب ما يحبه محبوبه، ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه.
والله سبحانه وتعالى قد قضى بالموت، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بدّ منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادا للحق من وجه، مكروها له من وجه، وهذا حقيقة التردد، وهو: أن يكون الشيء الواحد مرادا من وجه، مكروها من وجه، وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته، كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته.
ثم قال بعد كلام سبق ذكره، ومن هذا الباب ما يقع في الوجود من الكفر والفسوق والعصيان، فإن الله تعالى يبغض ذلك ويسخطه ويكرهه وينهى عنه، وهو سبحانه قد قدّره وقضاه، وشاءه بإرادته الكونيّة، وإن لم يرده بإرادة دينيّة، وهذا هو فصل الخطاب فيما تنازع فيه الناس: من أنه سبحانه هل يأمر بما لا يريده؟. فالمشهور عند متكلّمة أهل الإثبات ومن وافقهم من الفقهاء: أنه يأمر بما لا يريده.
وقالت القدرية والمعتزلة وغيرهم: إنه لا يأمر إلا بما يريده. والتحقيق: أن الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة دينيّة شرعية، وإرادة كونيّة قدرية، فالأول: -