فإنّ الله تعالى لا يكون عندك حتّى تنكسر (1) جملة هواك وإرادتك، فإذا انكسرت ولم يثبت فيك شيء ولم يصلح فيك شيء، أنشأك الله، فجعل فيك إرادة، فتريد بتلك الإرادة، فإذا صرت في تلك الإرادة المنشأة فيك كسرها الرّبّ تعالى بوجودك فيها، فتكون منكسر القلب أبدا، فهو لا يزال يجدّد فيك إرادة ثمّ يزيلها عند وجودك فيها هكذا إلى أن يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ [البقرة:235] ، فيحصل اللّقاء، فهذا هو معنى (2) : «عند المنكسرة قلوبهم من أجلي» .
ومعنى قولنا: عند وجودك فيها: هو ركونك وطمأنينتك إليها.
قال الله تعالى في حديثه القدسيّ الّذي يرويه صلّى الله عليه وسلم: «لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به، ويده الّتي يبطش بها، ورجله الّتي يمشي بها» (3) *.
-المبارك، عن أشرس، عن وهب بن منبه، ورواه البيهقي في الزهد الكبير (367) من طريق السري، عن عبد الكريم بن رشيد، كلاهما: أن داود عليه السلام قال: أي رب، أين ألقاك؟. قال: تلقاني عند المنكسرة قلوبهم. وانظر صفوة الصفوة لابن الجوزي (2/ 293) . وانظره في بداية الهداية للغزالي (ص 143) والأربعين في أصول الدين له (117 و428 بتحقيقي) والفوائد لابن القيم (الفصل 51. بتحقيقي) وجامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب (1587) . وقال الملا علي القاري في الموضوعات الكبرى (رقم 70) : ولا يخفى أن الكلام في هذا المقام لم يبلغ إلى غاية، ولا أصل له في المرفوع.
1)تحرف في المطبوع إلى: (تنكر) .
2)في المطبوع: (المعنى) .
3)سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (18/ 129 - 135) عن قوله صلّى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عزّ وجلّ: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته» . ما معنى تردد الله؟. فأجاب: هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد رد هذا الكلام طائفة، وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد. والتحقيق: أن كلام رسوله حقّ، وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمّة منه، ولا أفصح ولا أحسن بيانا منه، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضلّ الناس وأجهلهم -