فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 291

-ناقصا، وكثير من أهل الكشف يلقى في قلبه أن هذا الطعام حرام، أو أن هذا الرجل كافر أو فاسق من غير دليل ظاهر. وبالعكس قد يلقى في قلبه محبّة شخص، وأنه ولي لله، أو أنّ هذا المال حلال. وليس المقصود هنا: بيان أن هذا وحده دليل على الأحكام الشرعية، لكن أنّ مثل هذا يكون ترجيحا لطالب الحق إذا تكافأت عنده الأدلّة السّمعية الظاهرة، فالترجيح بها خير من التسوية بين الأمرين المتناقضين قطعا، فإن التسوية بينهما باطلة قطعا، كما قلنا: إن العمل بالظنّ الناشىء عن ظاهر أو قياس خير من العمل بنقيضه إذا احتيج إلى العمل بأحدهما. والصواب الذي عليه السلف والجمهور: أنه لا بدّ في كل حادثة من دليل شرعيّ، فلا يجوز تكافؤ الأدلّة في نفس الأمر، لكن [في نسخة: ولكن] قد تتكافأ عند الناظر لعدم ظهور الترجيح له، وأمّا من قال: إنه ليس في نفس الأمر حقّ معيّن، بل كل مجتهد عالم بالحق الباطن في المسألة، وليس لأحدهما على الآخر مزيّة في علم ولا عمل، فهؤلاء قد يجوّزون أو بعضهم تكافؤ الأدلّة، ويجعلون الواجب التخيير بين القولين. وهؤلاء يقولون: ليس على الظن دليل في نفس الأمر، وإنما رجحان أحد القولين هو من باب الرجحان بالميل والإرادة، كترجيح النفس الغضبية للانتقام، والنفس الحليمة للعفو.

وهذا القول خطأ، فإنه لا بدّ في نفس الأمر من حق معين يصيبه المستدل تارة ويخطئه أخرى، كالكعبة في حقّ من اشتبهت عليه القبلة، والمجتهد إذا أدّاه اجتهاده إلى جهة سقط [في نسخة: وسقط] عنه الفرض بالصلاة إليها، كالمجتهد إذا أدّاه اجتهاده إلى قول فعمل بموجبه، كلاهما مطيع لله، وهو مصيب بمعنى أنه مطيع لله، وله أجر على ذلك، وليس مصيبا بمعنى أنه علم الحق المعين، فإنّ ذلك لا يكون إلا واحدا، ومصيبه له أجران. وهذا في كشف الأنواع التي يكون عليها دليل شرعيّ، لكن قد يخفى على العبد، فإن الشارع بيّن الأحكام الكلية. وأمّا الأحكام المعيّنات التي تسمّى «تنقيح المناط» ، مثل كون الشخص المعيّن عدلا أو فاسقا، أو مؤمنا أو منافقا، أو وليّا لله أو عدوّا له. وكون هذا المعيّن عدوّا للمسلمين يستحق القتل، وكون هذا العقار ليتيم أو فقير يستحق الإحسان إليه، وكون هذا المال يخاف عليه من ظلم ظالم، فإذا زهد فيه الظالم انتفع به أهله. فهذه الأمور لا يجب أن تعلم بالأدّلة الشّرعية العامّة الكليّة، بل تعلم بأدلّة خاصّة تدلّ عليها.

ومن طرق [في نسخة: طريق] ذلك: الإلهام، فقد يلهم الله بعض عباده حال هذا المال المعين، وحال هذا الشخص المعيّن، وإن لم يكن هناك دليل ظاهر يشركه فيه غيره. وقصة موسى مع الخضر هي من هذا الباب، ليس فيها مخالفة لشرع الله تعالى، فإنه لا يجوز قطّ لأحد لا نبيّ ولا وليّ أن يخالف شرع الله، لكن فيها علم حال ذاك المعيّن بسبب باطن يوجب فيه الشرع ما فعله الخضر. كمن دخل إلى دار وأخذ ما فيها من المال، لعلمه بأن صاحبها أذن له، وغيره لم يعلم. ومثل من رأى ضالّة أخذها ولم يعرّفها، لعلمه بأنه أتي بها هدية له، ونحو ذلك. ومثل هذا كثير عند أهل الإلهام الصحيح.

والنوع الثاني عكس هذا: وهو أنّهم يتّبعون هواهم، لا أمر الله، فهؤلاء لا يفعلون، ولا يأمرون إلا بما يحبونه بهواهم، ولا يتركون وينهون إلا عمّا يكرهونه بهواهم. وهؤلاء شرّ الخلق. قال -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت