-الرجال، فعلّموا من القرآن وعلّموا من السنة». وفي الترمذي [3019] (بإسناد جيّد) وغيره حديث النوّاس بن سمعان، عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتّحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو على رأس الصراط، وداع يدعو من فوق الصراط، فالصراط المستقيم هو الإسلام، والستور حدود الله، والأبواب المفتّحة محارم الله، فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب، ناداه المنادي - أو كما قال: يا عبد الله! لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه. والداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مؤمن» . فقد بيّن: أنّ في قلب كلّ مؤمن واعظا [في نسخة: واعظ] ، والواعظ: الأمر والنهي بترغيب وترهيب. فهذا الأمر والنهي الذي يقع في قلب المؤمن، مطابق لأمر القرآن ونهيه. ولهذا يقوى أحدهما بالآخر، كما قال تعالى: {نُورٌ عَلى نُورٍ} [النور: 35] . قال بعض السلف في الآية: هو المؤمن ينطق بالحكمة، وإن لم يسمع فيها بأثر، فإذا سمع بالأثر كان نورا على نور: نور الإيمان الذي في قلبه يطابق نور القرآن، كما أن الميزان العقلي يطابق الكتاب المنزل، فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. وقد يؤتى العبد أحدهما ولا يؤتى الآخر، كما في الصحيحين [خ (511) وم (797) ] عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجّة: طعمها طيّب وريحها طيّب. ومثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل التمرة: طعمها طيّب ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة: ريحها طيّب وطعمها مرّ. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة: ليس لها ريح وطعمها مرّ» .
والإلهام في القلب تارة يكون من جنس القول والعلم والظن والاعتقاد. وتارة يكون من جنس العمل والحب والإرادة والطلب، فقد يقع في قلبه أن هذا القول أرجح وأظهر وأصوب، وقد يميل قلبه إلى أحد الأمرين دون الآخر.
وفي الصحيحين [خ (3282) وم (2398) ] عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أمّتي أحد فعمر» . والمحدّث الملهم المخاطب. وفي مثل هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث وابصة: «البرّ: ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب. والإثم: ما حاك في نفسك، وإن أفتاك الناس وأفتوك» . وهو في السنن [أحمد (4/ 228) ] . وفي صحيح مسلم (2553) عن النّوّاس بن سمعان، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «البرّ: حسن الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك وكرهت أن يطّلع عليه الناس» . وقال ابن مسعود: الإثم حوّاز [في المطبوع: حزاز] القلوب.
وأيضا فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن يقينا أو ظنّا، فالأمور الدينية كذلك بطريق الأولى، فإنّه إلى كشفها أحوج، لكن هذا في الغالب لا بدّ أن يكون كشفا بدليل، وقد يكون بدليل ينقدح في قلب المؤمن، ولا [في نسخة: لا] يمكنه التعبير عنه، وهذا أحد ما فسّر به معنى الاستحسان. وقد قال من طعن في ذلك كأبي حامد وأبي محمد: ما لا يعبّر به عنه فهو هوس. وليس كذلك، فإنه ليس كلّ أحد يمكنه إبانة المعاني القائمة بقلبه، وكثير من الناس يبيّنها بيانا -