فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 291

-علميّ باطن ولا ظاهر، لا يقول به أحد من أئمة العلم والزهد. فأئمة الفقهاء والصوفية لا يقولون هذا.

ولكن من جوّز لمجتهد أو مقلّد الترجيح بمجرد اختياره وإرادته، فهو نظير من شرّع [في نسخة: سوّغ] للسالك الترجيح بمجرد إرادته وذوقه.

لكن قد يقال: القلب المعمور بالتقوى، إذا رجح بإرادته، فهو ترجيح شرعيّ. وعلى هذا التقدير ليس من هذا، فمن غلب على قلبه إرادة ما يحبه الله، وبغض ما يكرهه الله، إذا لم يدر في الأمر المعيّن: هل هو محبوب لله، أو مكروه؟ ورأى قلبه يحبه أو يكرهه، كان هذا ترجيحا عنده. كما لو أخبره من صدقه أغلب من كذبه، فإن الترجيح بخبر [في نسخة: يخبر] هذا عند انسداد وجوه الترجيح ترجيح بدليل شرعيّ.

ففي الجملة: متى حصل ما يظنّ معه أنّ أحد الأمرين أحبّ إلى الله ورسوله، كان هذا ترجيحا بدليل شرعيّ، والذين أنكروا كون الإلهام طريقا على الإطلاق أخطأوا، كما أخطأ الذين جعلوه طريقا شرعيا على الإطلاق.

ولكن إذا اجتهد السالك في الأدّلة الشّرعيّة الظاهرة فلم ير فيها ترجيحا، وألهم حينئذ رجحان أحد الفعلين مع حسن قصده وعمارته بالتقوى، فإلهام مثل هذا دليل في حقّه، قد يكون أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة، والأحاديث الضعيفة، والظواهر الضعيفة، والاستصحابات الضعيفة التي يحتجّ بها كثير من الخائضين في المذهب والخلاف وأصول الفقه.

وفي الترمذي [5133] عن أبي سعيد، عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «اتّقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» ، ثم قرأ قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) } [الحجر:75] . وقال عمر بن الخطاب: اقتربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإنه تتجلّى لهم أمور صادقة. وقد ثبت في الصحيح قول الله تعالى: «ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي» .

وأيضا فالله سبحانه وتعالى فطر عباده على الحنيفية: وهو حبّ المعروف، وبغض المنكر. فإذا لم تستحلّ الفطرة، فالقلوب مفطورة على الحقّ، فإذا كانت الفطرة مقوّمة بحقيقة الإيمان، منوّرة بنور القرآن، وخفي عليها دلالة الأدلّة السّمعيّة الظاهرة، ورأى قلبه يرجّح أحد الأمرين، كان هذا من أقوى الإمارات عند مثله. وذلك أنّ الله علّم القرآن والإيمان. قال الله تعالى: {* وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) } [الشورى: 51] ، ثم قال: {وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلاَ الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) } [الشورى:52] . وقال جندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر: تعلّمنا الإيمان، ثم تعلّمنا القرآن، فازددنا إيمانا. وفي الصحيحين (6132) وم (797) ] عن حذيفة، عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله أنزل الأمانة في جذر قلوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت