فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 291

-وهو حال الأبرار أهل اليمين. وقوم لا يتصرفون بهذا، ولا بهذا.

أما الأول فلعدم علمهم به. وأما الثاني فلزهدهم فيه. بل يتصرفون فيها بحكم القدر المحض، اتباعا لإرادة الله الخلقية القدرية حين تعذر معرفة الإرادة الشرعية الأمرية. وهذا كالترجيح بالقرعة إذا تعذّر الترجيح بسبب شرعيّ معلوم، وقد يتصرف هؤلاء في هذا المقام بإلهام يقع في قلوبهم وخطاب. وكلام الشيخ عبد القادر - قدّس الله روحه - كثيرا ما يقع في هذا المقام، فإنه يأمر بالزهد في إرادة النفس وهواها، حتّى لا يتصرف بحكم الإرادة والنفس، وهذا رفع له عن حال الأبرار أهل اليمين، وعن طريق الملوك مطلقا. ومن حصّل هذا وتصرّف بالأمر الشرعيّ المحمّديّ القرآنيّ فهو أكمل الخلق، لكن هذا قد يخفى عليه؛ فإن معرفة هذا على التفصيل قد يتعذّر أو يتعسّر في كثير من المواضع، ألا ترى أن النبي صلّى الله عليه وسلم لمّا حكّم سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتل مقاتلتهم، وبسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، قال: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» (2878) ] . وذلك أن تخيير وليّ الأمر بين القتل والاسترقاق، والمنّ والفداء، ليس تخيير شهوة، بل تخيير رأي ومصلحة، فعليه أن يختار الأصلح، فإن اختار ذلك فقد وافق حكم الله، وإلاّ فلا.

ولمّا كان هذا يخفى كثيرا قال النبي صلّى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (1731) ] : «إذا حاصرت أهل حصن، فسألوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدرى ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك، وحكم أصحابك» . والحاكم الذي ينزل أهل الحصن على حكمه عليه أن يحكم باجتهاده، فلما أمر سعد بما هو الأرضى لله، والأحبّ إليه، حكم بحكمه، ولو حكم بغير ذلك لنفذ حكمه، فإنه حكم باجتهاده، وإن لم يكن ذلك هو حكم الله في الباطن. ففي مثل هذه الحال التي لا يتبيّن الأمر الشرعيّ في الواقعة المعينة، يأمر الشيخ عبد القادر وأمثاله من الشيوخ: تارة بالرجوع إلى الأمر الباطن والإلهام إن أمكن ذلك. وتارة بالرجوع إلى القدر المحض، لتعذّر الأسباب المرجحة من جهة الشرع، كما يرجح الشارع بالقرعة. فهم يأمرون أن لا يرجح بمجرد إرادته وهواه، فإن هذا إما محرّم، وإما مكروه، وإما منقّص. فهم في هذا النهي كنهيهم عن فضول المباحات.

ثم إن تبيّن لهم الأمر الشرعيّ وجب الترجيح به، وإلا رجحوا: إما بسبب باطن من الإلهام والذوق، وإمّا بالقضاء والقدر الذي لا يضاف إليهم. ومن يرجّح في مثل هذه الحال باستخارة الله كما كان النبي صلّى الله عليه وسلم يعلّم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلّمهم السّورة من القرآن، فقد أصاب. وهذا كما أنه إذا تعارضت أدلّة المسألة الشرعية عند الناظر المجتهد، وعند المقلّد المستفتي، فإنه لا يرجّح شيئا، بل ما جرى به القدر أقرّوه ولم ينكروه. وتارة يرجّح أحدهم: إما بمنام، وإما برأي مشير ناصح، وإما برؤية المصلحة في أحد الفعلين. وأمّا الترجيح بمجرد الاختيار: بحيث إذا تكافأت عنده الأدلة يرجح بمجرد إرادته واختياره. فهذا ليس قول أحد من أئمة الإسلام، وإنما هو قول طائفة من أهل الكلام. ولكن قاله طائفة من الفقهاء في العاميّ المستفتي: أنه يخيّر بين المفتين المختلفين. وهذا كما أن طائفة من السالكين: إذا استوى عنده الأمران في الشريعة رجّح بمجرد ذوقه وإرادته، فالترجيح بمجرد الإرادة التي لا تستند إلى أمر -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت