فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 291

-وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ} [التوبة:59] . وهذه حقيقة دين الإسلام. والرّسل بعثوا بذلك، كما قال تعالى: {* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] . وقال تعالى: {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاِعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:51 - 52] . فهذا هو الأصل الذي يجب على كل أحد أن يعتصم به، فلا بدّ أن يكون مريدا محبا لما أمره الله بإرادته ومحبّته، كارها مبغضا لما أمره الله بكراهته وبغضه. والناس في هذا الباب أربعة أنواع: أكملهم الذين يحبّون ما أحبّه الله ورسوله، ويبغضون ما أبغضه الله ورسوله، فيريدون ما أمرهم الله ورسوله بإرادته، ويكرهون ما أمرهم الله ورسوله بكراهته، وليس عندهم حبّ ولا بغض لغير ذلك، فيأمرون بما أمر الله به ورسوله [في نسخة: الله ورسوله به] ، ولا يأمرون بغير ذلك، وينهون عمّا نهى الله عنه ورسوله، ولا ينهون عن غير ذلك. وهذه حال الخليلين أفضل البرية: محمّد وإبراهيم - صلى الله عليهما وسلم -. وقد ثبت في الصحيح (532) ] عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله اتّخذني خليلا كما اتّخذ إبراهيم خليلا» . وقال صلّى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (2949) ] : «إنّي والله لا أعطي أحدا، ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت» . وذكر: أن ربّه خيّره بين أن يكون نبيا ملكا، وبين أن يكون عبدا رسولا، فاختار أن يكون عبدا ورسولا. فإن «النبيّ الملك» مثل داود وسليمان، قال تعالى: {هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ} [ص:39] . قالوا: معناه: أعط من شئت، وامنع من شئت، لا نحاسبك. ف‍ «النبي الملك» يعطي بإرادته لا يعاقب على ذلك، كالذي يفعل المباحات بإرادته. وأما «العبد الرسول» فلا يعطي ولا يمنع إلا بأمر ربه، وهو محبّته ورضاه وإرادته الدينية، والسابقون المقرّبون: أتباع العبد الرسول، والمقتصدون أهل اليمين: أتباع النبي الملك. وقد يكون [في نسخة: تكون] للإنسان حال هو فيها خال عن الإرادتين: وهو أن [في نسخة: أنه] لا تكون له إرادة في عطاء ولا منع، لا إرادة دينية هو مأمور بها، ولا إرادة نفسانية سواء كان منهيا عنها أو غير منهيّ عنها، بل ما وقع كان مرادا له، ومهما فعل به كان مرادا له من غير أن يفعل المأمور به شرعا في ذلك. فهذا بمنزلة من له أموال يعطيها وليس له إرادة في إعطاء معين، لا إرادة شرعيّة، ولا إرادة مذمومة، بل يعطي كلّ أحد. فهذا إذا قدر أنه قام بما يجب عليه بحسب إمكانه، ولكنه خفي عليه الإرادة الشرعية في تفصيل أفعاله، فإنه لا يذم على ما فعل، ولا يمدح مطلقا، بل يمدح لعدم هواه، ولو علم تفصيل المأمور به، وأراده إرادة شرعية لكان أكمل. بل هذا مع القدرة: إما واجب، وإما مستحبّ. وحال هذا خير من حال من يريد بحكم هواه ونفسه، وإن كان ذلك مباحا له، وهو دون من يريد بأمر ربّه لا بهواه، ولا بالقدر المحض. فمضمون هذا المقام: أن الناس في المباحات من الملك [في نسخة: ذلك] والمال وغير ذلك على ثلاثة أقسام: قوم لا يتصرّفون فيها إلا بحكم الأمر الشرعيّ، وهو حال نبيّنا، وهو حال العبد الرسول ومن اتّبعه في ذلك. وقوم يتصرّفون فيها بحكم إرادتهم، والشهوة التي ليست محرّمة، وهذا حال النبي الملك، -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت