-الأمور يجب دفعها وكراهتها [في نسخة: وكراهيتها] ، لا تجوز إرادتها.
وأما الامتناع عقلا، فلأنّ الإنسان مجبول على حبّ ما يلائمه وبغض ما ينافره، فهو عند الجوع يحبّ ما يقيته [في نسخة: يغنيه] كالطعام، ولا يحب ما لا يقيته [في نسخة: يغنيه] كالتّراب، فلا يمكن أن تكون إرادته لهذين سواء.
وكذلك يحبّ الإيمان والعمل الصالح الذي ينفعه، ويبغض الكفر والفسوق الذي يضرّه، بل ويحب [في نسخة: يحب] الله وعبادته وحده، ويبغض عبادة ما دونه، كما قال الخليل عليه السلام: {قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلّا رَبَّ الْعالَمِينَ} [الشعراء:75 - 77] . وقال تعالى: {قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِيْنَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة:4] . فقد أمرنا الله أن نتأسّى بإبراهيم والذين معه إذ تبرّؤا من المشركين ومما يعبدونه من دون الله، وقال الخليل عليه السّلام: {إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (26) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف:26 - 27] . والبراءة ضدّ الولاية، وأصل البراءة: البغض، وأصل الولاية: الحب. وهذا لأن حقيقة التوحيد: أن لا يحب إلا الله، ويحب ما يحبّه الله لله، فلا يحب [في نسخة: تحب] إلا لله، ولا يبغض [في نسخة: تبغض] إلا لله. قال تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِيْنَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ} [البقرة:165] . والفرق ثابت بين الحب لله والحب مع الله، فأهل التوحيد والإخلاص: يحبون غير الله لله، والمشركون يحبون غير الله مع الله، كحبّ المشركين لآلهتهم، وحبّ النصارى للمسيح، وحب أهل الأهواء رؤوسهم. فإذا عرف أن العبد مفطور على حبّ ما ينفعه، وبغض ما يضرّه، لم يمكن أن تستوي إرادته لجميع الحوادث فطرة وخلقا، ولا هو مأمور من جهة الشّرع أن يكون مريدا لجميع الحوادث، بل قد أمره الله بإرادة أمور وكراهة أخرى.
والرّسل - صلوات الله عليهم وسلامه - بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتحويل الفطرة وتغييرها. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» [خ (1292) ] . قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:30] . وفي الحديث الصحيح [مسلم (2865) ] عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ينزل [في نسخة: أنزل] به سلطانا» . والحنيفية: هي الاستقامة بإخلاص الدين لله، وذلك يتضمّن حبّه تعالى، والذل له، لا يشرك به شيء: لا في الحبّ، ولا في الذّلّ، فإن العبادة تتضمّن غاية الحبّ بغاية الذّلّ، وذلك لا يستحقه إلا الله وحده، وكذلك الخشية والتقوى لله وحده، والتوكل على الله وحده.
والرسول يطاع ويحبّ، فالحلال ما أحلّه [في نسخة: حلّله] ، والحرام ما حرّمه، والدين ما شرّعه، قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ} [النور:52] . -