فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 291

= العبادة، إذا لم يقصد به ذلك كان ذلك نقصا من العبد وفوات حسنة، وخير يحبّه الله. ففي الصحيحين (56) وم (1628) ] عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال لسعد: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلاّ ازددت بها درجة ورفعة، حتّى اللّقمة تضعها في فيّ امرأتك» . وقال في الصحيح (55) وم (1002) ] : «نفقة المسلم على أهله يحتسبها صدقة» .

فما لا يحتاج إليه من المباحات، أو يحتاج إليه ولم يصحبه إيمان يجعله حسنة، فعدمه خير من وجوده، إذا كان مع عدمه يشتغل بما هو خير منه. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم [مسلم (1006) ] : «في بضع أحدكم صدقة» . قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟! قال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام، أما كان عليه وزر؟» . قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: «فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له بها أجر» ، فلم تعتدون بالحرام، ولا تعتدون بالحلال. وذلك أن المؤمن عند شهوة النكاح يقصد أن يعدل عمّا حرّمه الله إلى ما أباحه الله، ويقصد فعل المباح معتقدا أن الله أباحه، «والله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» كما رواه الإمام أحمد في المسند [5865] ورواه غيره. ولهذا أحب القصر والفطر في السفر، فعدول المؤمن عن الرّهبانية والتشديد، وتعذيب النفس الذي لا يحبّه الله إلى ما يحبه الله من الرخصة هو من الحسنات التي يثيبه الله عليها، وإن فعل مباحا لما اقترن به من الاعتقاد والقصد الذين كلاهما طاعة لله ورسوله، ف‍ «إنّما الإعمال بالنيات، وإنما لكل امرى ما نوى» . وأيضا: فالعبد مأمور بفعل ما يحتاج إليه من المباحات، هو مأمور بالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، ولهذا يجب على المضطر إلى الميتة أن يأكل منها، ولو لم يأكل حتّى مات كان مستوجبا للوعيد، كما هو قول جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم. وكذلك هو مأمور بالوطء عند حاجته إليه، بل هو مأمور بنفس عقد النّكاح إذا احتاج إليه وقدر عليه. فقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «في بضع أحدكم صدقة» . فإن المباضعة مأمور بها لحاجته ولحاجة [في نسخة: وحاجة] المرأة إلى ذلك، فإنّ قضاء حاجتها التي لا تنقضي إلاّ به بالوجه المباح صدقة. والسلوك سلوكان: [الأول] «سلوك الأبرار أهل اليمين» : وهو أداء الواجبات وترك المحرمات باطنا وظاهرا. والثاني «سلوك المقرّبين السّابقين» : وهو فعل الواجب والمستحب بحسب الإمكان، وترك المكروه والمحرّم، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم (6858) وم (1373) ] : «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . وكلام الشيوخ الكبار كالشيخ عبد القادر وغيره يشير إلى هذا السلوك، ولهذا يأمرون بما هو مستحب غير واجب، وينهون عمّا هو مكروه غير محرّم، فإنّهم يسلكون بالخاصّة مسلك الخاصّة، وبالعامّة مسلك العامّة. وطريق الخاصة طريق المقربين: أن لا يفعل العبد إلاّ ما أمر به، ولا يريد إلا ما أمر [في نسخة: أمره] الله ورسوله بإرادته، وهو ما يحبّه الله ويرضاه، ويريده إرادة دينيّة وشرعيّة، وإلا فالحوادث كلها مرادة له خلقا وتكوينا والوقوف مع الإرادة الخلقية القدرية مطلقا غير مقدور عقلا، ولا مأمور شرعا، وذلك لأنّ من الحوادث ما يجب دفعه ولا تجوز إرادته، كمن أراد تكفير الرجل، أو تكفير أهله، أو الفجور به، أو بأهله، أو أراد قتل النّبيّ وهو قادر على دفعه، أو أراد إضلال الخلق وإفساد دينهم ودنياهم. فهذه -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت