= ما أمر الله به [في نسخة: فعل ما أمره به ربّه] ، وما لم يؤمر به العبد بل فعله الرب عزّ وجلّ بلا واسطة العبد، أو فعله بالعبد بلا هوى من العبد. فهذا هو القدر الذي عليه أن يرضى به. وسيأتي في [في نسخة: من] كلام الشيخ ما يبيّن مراده، وأن العبد في كل حال عليه أن يفعل ما أمر به، ويترك ما نهى عنه، وأمّا إذا لم يكن هو أمر العبد بشيء من ذلك، فما فعله الرب كان علينا التسليم فيما فعله، وهذه هي الحقيقة في كلام الشيخ وأمثاله.
وتفصيل الحقيقة الشرعية في هذا المقام، أن هذا نوعان:
أحدهما: أن يكون العبد مأمورا فيما فعله الرب: إما بحبّ له وإعانة عليه، وإما ببغض له ودفع له.
والثاني: أن لا يكون العبد مأمورا بواحد منهما. فالأول مثل البر والتقوى الذي يفعله غيره، فهو مأمور بحبّه وإعانته عليه، كإعانة المجاهدين في سبيل الله على الجهاد، وإعانة سائر الفاعلين للحسنات على حسناتهم بحسب الإمكان، وبمحبة [في نسخة: ومحبة] ذلك والرضا به، وكذلك هو مأمور عند مصيبة الغير: إمّا بنصر مظلوم، وإمّا بتعزية مصاب، وإمّا بإغناء فقير، ونحو ذلك.
وأما ما هو مأمور ببغضه ودفعه، فمثل: ما إذا أظهر الكفر والفسوق والعصيان، فهو مأمور ببغض ذلك ودفعه، وإنكاره بحسب الإمكان، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح [مسلم (49) ] : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» .
وأما ما لا يؤمر العبد فيه بواحد منهما، فمثل: ما يظهر له من فعل الإنسان للمباحات التي لم يتبين له أنه يستعان بها على طاعة ولا معصية، فهذه لا يؤمر بحبها ولا ببغضها، وكذلك [في نسخة: وذلك] مباحات نفسه المحضة التي لم يقصد الاستعانة بها على طاعة ولا معصية. مع أنّ هذا نقص منه، فإنّ الذي ينبغي أنّه لا يفعل من المباحات إلاّ ما يستعين به على الطاعة، ويقصد الاستعانة بها على الطاعة، فهذا سبيل المقرّبين السابقين، الذين تقرّبوا إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض، ولم يزل أحدهم يتقرّب إليه بذلك حتى أحبّه، فكان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. وأما من فعل المباحات مع الغفلة، أو فعل فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة مع أداء الفرائض، واجتناب المحارم، باطنا وظاهرا. فهذا من المقتصدين أصحاب اليمين. وبالجملة: الأفعال التي يمكن دخولها تحت الأمر والنهي لا تكون مستوية من كل وجه، بل إن فعلت على الوجه المحبوب كان وجودها خيرا للعبد، وإلاّ كان تركها خيرا له، وإن لم يعاقب عليها. ففضول المباح التي لا تعين على الطاعة عدمها خير من وجودها، إذا كان مع عدمها يشتغل بطاعة الله، فإنها تكون شاغلة له عن ذلك. وأما إذا قدّر أنّها تشغله عمّا هو دونها، فهي خير له ممّا دونها، وإن شغلته عن معصية الله كانت رحمة في حقّه، وإن كان اشتغاله بطاعة الله خيرا له من هذا وهذا.
وكذلك أفعال الغفلة والشهوة التي يمكن الاستعانة بها على الطاعة، كالنّوم الذي يقصد به الاستعانة على العبادة، والأكل، والشرب، واللباس، والنكاح الذي يمكن الاستعانة به على -