فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 291

-تعالى: {أَ رَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43] . قال الحسن: هو المنافق لا يهوى شيئا إلاّ ركبه. وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ} [القصص:50] . وقال عمر بن عبد العزيز: لا تكن ممّن يتّبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذا [في نسخة: فكذا] أنت لا تثاب على ما اتّبعته من الحق، وتعاقب على ما خالفته. وهو كما قال رضي الله عنه؛ لأنه في الموضعين إنّما قصد اتّباع هواه لم يعمل لله.

ألا ترى أن أبا طالب نصر النبي صلّى الله عليه وسلم، وذبّ عنه أكثر من غيره، لكن فعل ذلك لأجل القرابة، لا لأجل الله تعالى، فلم يتقبّل الله ذلك منه، ولم يثبه على ذلك؟!. وأبو بكر الصديق رضي الله عنه أعانه بنفسه وماله لله، فقال الله فيه: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (18) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضى} [الليل:17 - 21] .

والقسم الثالث: الذي يريد تارة إرادة يحبّها الله، وتارة إرادة يبغضها الله. وهؤلاء أكثر المسلمين فإنهم يطيعون الله تارة، ويريدون ما أحبّه، ويعصونه تارة، ويريدون [في نسخة: فيريدون] ما يهوونه، وإن كان يكرهه.

والقسم الرابع: أن يخلو عن الإرادتين، فلا يريد لله ولا لهواه، وهذا يقع لكثير من الناس في بعض الأشياء، ويقع لكثير من الزّهّاد والنّسّاك في كثير من الأمور.

وإمّا خلو الإنسان عن الإرادة مطلقا فممتنع، فإنه مفطور على إرادة ما لا بدّ له منه، وعلى كراهة ما يضرّه ويؤذيه، والزاهد الناسك إن [في نسخة: إذا] كان مسلما فلا بدّ أن يريد أشياء يحبها الله، مثل: أداء الفرائض، وترك المحارم، بل وكذلك عموم المؤمنين لا بدّ أن يريد أحدهم أشياء يحبّها الله، وإلا فمن لم يحب الله، ولا أحبّ شيئا لله، فلم يحب شيئا من الطاعات، لا الشهادتين ولا غيرهما ولا يريد ذلك، فإنه لا يكون مؤمنا، فلا بد لكل مؤمن من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه الله. وأمّا إرادة العبد لما يهواه ولا يحبه الله، فهذا لازم لكلّ من عصى الله، فإنه أراد المعصية والله لا يحبّها ولا يرضاها. وأما الخلو عن الإرادتين المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين:

أحدهما: مع إعراض العبد عن عبادة الله تعالى وطاعته وإن علم بها، فإنه قد يعلم كثيرا من الأمور أنه مأمور بها، وهو لا يريدها، ولا يكره من غيره فعلها، وإذا اقتتل المسلمون والكفار لم يكن مريدا لانتصار هؤلاء الذي يحبه الله، ولا لانتصار هؤلاء الذي يبغضه الله.

والوجه الثاني: يقع من كثير من الزّهّاد العبّاد الممتثلين لما يعلمون أن الله أمر به المجتنبين لما يعلمون أن الله نهى عنه، وأمور أخرى لا يعلمون أنها مأمور بها ولا منهيّ عنها، فلا يريدونها ولا يكرهونها لعدم العلم، وقد يرضونها [في نسخة: ويرضون بها] من جهة كونها مخلوقة مقدرة، وقد يعاونون عليها، ويرون [في نسخة: ويريدون] هذا موافقة لله، وأنهم لمّا خلوا عن هوى النفس كانوا مأمورين بالرضا بكل حادث، بل والمعاونة عليه. وهذا موضع يقع فيه الغلط، فإنّ ما أحبّه الله ورسوله علينا أن نحب ما أحبّه الله ورسوله، وما أبغضه الله ورسوله، فعلينا أن نبغض ما أبغضه الله -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت