الصفحة 3 من 8

قلت: اعلم أن البخاري ومسلما ومن ذكرنا بعدهم، لم ينقل عن واحد منهم أنه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلان، وإنما يُعرف ذلك مِن سَبْر كتبهم، فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم.

فاعلم أن شرط البخاري ومسلم: أن يخرجا الحديث المتفق علي ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات. ويكون إسناده متصلا غير مقطوع.

فإن كان للصحابي راويان فصاعدا فحسن، وإن لم يكن له إلا راو واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه، إلا أن مسلما أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم - لشبهة وقعت في نفسه - أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة: مثل حماد بن سلمة وسهيل بن أبي صالح وداود بن أبي هند وأبي الزبير والعلاء بن عبد الرحمن وغيرهم. جعلنا هؤلاء الخمسة مثالا لغيرهم لكثرة روايتهم وشهرتهم.

فلما تكلم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة والثقة، ترك البخاري إخراج حديثهم معتمدا عليهم تحريا، وأخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة.

ومثال ذلك: أن سهيل بن أبي صالح: تُكلِّم في سماعه من أبيه فقيل صحيفة فترك البخاري هذا الأصل، واستغني عنه بغيره من أصحاب أبيه، ومسلم اعتمد عليه لما سبر أحاديثه، فوجده مرة يحدث عن عبد الله بن دينار عن أبيه، ومرة عن الأعمش عن أبيه، ومرة يحدث عن أخيه عن أبيه بأحاديث فاتته من أبيه، فصح عنده أنه سمع من أبيه، إذ لو كان سماعه صحيفة لكان يروي هذه الأحاديث مثل تلك الأخر.

وكذلك حماد بن سلمة: إمام كبير مدحه الأئمة وأطنبوا، ولما تكلم فيه بعض منتحلي المعرفة أن بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه، لم يخرج عنه معتمدا عليه بل استشهد به في مواضع ليبين أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث غيره من أقرانه: كشعبة وحماد بن زيد وأبي عوانة وأبي الأحوص وغيرهم.

ومسلم اعتمد عليه لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين رووا عنه حديثا لم يختلفوا عليه، وشاهد مسلم منهم جماعة وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه وإجماع أئمة النقل على ثقته وإمامته.

فهذا الكلام فيما اختلفا فيه من إخراج أحاديث هؤلاء وما جرى مجراهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت