وأما أبو عيسي الترمذي فكتابه وحده على أربعة أقسام:
قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلما.
وقسم على شرط الثلاثة دونهما كما بينا.
وقسم أخرجه للضدية، وأبان عن علته ولم يغفله.
وقسم رابع أبان هو عنه، فقال: ما أخرجت في كتابي إلا حديثا قد عمل به بعض الفقهاء.
وهذا شرط واسع، فإن على هذا الأصل: كل حديث احتج به محتج أو عمل بموجبه عامل أخرجه سواء صح طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفي في تصنيفه وتكلم على كل حديث بما يقتضيه.
وكان من طريقته - رحمة الله عليه - أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه، وأُخرِج من حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا تكون الطرق إليه كالطريق الأول وإن كان الحكم صحيحا.
ثم يتبعه بأن يقول (وفي الباب عن فلان وفلان) ويعد جماعة فيهم ذلك الصحابي المشهور وأكثر.
وقلما يسلك هذه الطريقة إلا في أبواب معدودة، والله أعلم.
[نقد كلام الحاكم]
قال السائل: فإن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري الحافظ ذكر في كتاب (المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل) شرطًا على غير هذا النحو.
قلت: نعم أخبرناه أبو بكر أحمد بن علي الأديب الشيرازي بنيسابور قال: قال أبو عبد الله محمد بن عبدالله الحافظ: القسم الأول من المتفق عليه اختيارُ البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح.
ومثاله: الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابي وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح.
(الجواب:) أن البخاري ومسلمًا لم يشترطا هذا الشرط، ولا نُقِلَ عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدَّر هذا التقدير، وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن.
ولعمري إنه شرط حسن لو كان موجودًا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقصة في الكتابين جميعا.
فمن ذلك في الصحابة: أن البخاري أخرج حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي"يذهب الصالحون أولا فأولا ... الحديث"وليس لمرداس راو غير قيس.
وأخرج هو ومسلم حديث المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب، ولم يرو عنه غير ابنه سعيد.
وأخرج البخاري حديث الحسن البصري عن عمرو بن تغلب"إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي ... الحديث"، ولم يرو عن عمرو غير الحسن.
هذا في أشياء عند البخاري علي هذا النحو.
وأما مسلم فإنه أخرج حديث الأغر المزني"إنه ليغان على قلبي"، ولم يرو عنه غير أبي بردة.
وأخرج حديث أبي رفاعة العدوي، ولم يرو عنه غير حميد بن هلال العدوي.
وأخرج حديث رافع بن عمرو الغفاري، ولم يرو عنه غير عبد الله بن الصامت.
وأخرج حديث ربيعة بن كعب السلمي، ولم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن.
هذا في أشياء كثيرة، اقتصرنا منها علي هذا القدر، ليعلم أن القاعدة التي أسسها منتقضة لا أصل لها.
ولو اشتغلنا بنقض هذا الفصل الواحد في التابعين وأتباعهم، ومن روى عنهم إلى عصر الشيخين لأربى على كتابة"المدخل"أجمع، إلا أن الاشتغال بنقض كلام الحاكم لا يسدي فائدة، وله في سائر كتبه مثل هذا الكثير، عفا الله عنا وعنه.
وأما الإمام الحافظ المتقن أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده فأشار إلى نحو ما ذكرناه، وخلاف ما رسمه الحاكم.
أخبرنا أبو عمرو عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده قال: قال أبي:
مِن حُكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد - وإن كان مشهورًا، مثل الشعبي وسعيد بن المسيب - ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهورا واحتج به، وعلى هذا بنى محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج كتابيهما"الصحيحين"إلا أحرفًا تبين أمرها.
فأما الغريب من الحديث - كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم، إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمي غريبًا - فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة اشتركوا في حديث يسمى عزيزًا، فإذا روى الجماعة عنه حديثًا سمي مشهورًا.
فاستثنى أبو عبدالله بن منده أحرفًا وهو هذا النوع الذي أشرت إليه فقد صح لديك بيان ما قدمته إليك، والله أعلم بالصواب.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي، قال: سمعت أبا محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ الفقيه، وقد جرى ذكر الصحيحين، فعظم منهما ورفع من شأنهما، وذكر أن سعيد بن السكر اجتمع
إليه يومًا قوم من أصحاب الحديث، فقالوا له: إن الكتب في الحديث قد كثرت علينا، فلو دلنا الشيخ على شيء نقتصر عليه منها؟ فسكت ودخل إلى بيته فأخرج أربع رزم ووضع بعضها على بعض،
وقال: هذه قواعد الإسلام: كتاب مسلم، وكتاب البخاري، وكتاب أبي داود، وكتاب النسائي.
سمعت الإمام أبا إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري بهراة، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسي الترمذي وكتابه، فقال: كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم؛ لأن كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وكتاب أبي عيسي يصل إلى فائدته كل أحد من الناس.