وغيره من السلف وأيضا فإن الله تعالى قد أنطق أشياء كما قال تعالى يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين وقال حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتهم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء فهو منطق كل شيء وخالق نطقه ولا نزاع أنه خالق النطق في غير الحي المختار وإنما تنازعت القدرية في خلق أقوال الأحياء وأفعالهم فإن كان حقيقة كلامه ما خلقه في غيره من الكلام فهذا جميعه كلامه وما في هذا الكلام المخلوق من ضمير المتكلم إما أن يعود إلى خالقه أو إلى محله فإن عاد إلى خالقه كانت شهادة الأعضاء شهادة الله وكان قول فرعون أنا ربكم الأعلى قولا لله وكان قولهم لجلودهم لم شهدتم علينا قولا لله وكان قول الجلود أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء بمعنى أنطلقت نفسي
ولم يكن فرق عندهم بين نطق وأنطق وإن عاد الضمير إلى محله كان الكلام المخلوق في الشجرة إنني أنا الله لا إله إلا أنا كلاما للشجرة فتكون الشجرة هي القائلة إنني أنا الله لا إله إلا أنا وهذه حقيقة قولهم لما ثبت من أن الكلام كلام لمن قام به فيكون ضمير المتكلم فيه عائدا إلى محله ولما كان هذا المعنى مستقرا في فطر الناس وعقولهم كان السلف يقصدون بمجرد قولهم القرآن كلام الله الرد على هؤلاء الجهمية الذين حقيقة قولهم إن القرآن ليس كلام الله وإنما هو كلام لجسم مخلوق وحقيقة قولهم إن الله لم يكلم موسى وإنما كلمه مخلوق من مخلوقاته قال البخاري قال عبد الرحمن ابن عفان سمعت سفيان بن عيينة في السنة التي ضرب فيها المريسي فقام ابن عيينة من مجلسه مغضبا قال ويحكم القرآن كلام الله قد صحبت الناس وأدركتهم هذا عمرو بن دينار وهذا ابن المنكدر حتى ذكر منصور والأعمش ومسعر بن كدام فقال ابن عيينة قد تكلموا في الاعتزال والرفض والقدر وأمرونا باجتناب القوم