الوجه الثاني أن يقال إمكان التكلم معلوم بأدنى نظر العقل فإنه إذا عرف أنه حي عليم قدير علم أنه يمكن أن يكون متكلما فإن الكلام من الصفات المشروطه بالحياة والصفات المشروطة بالحياة إنما تمتنع عليه سبحانه ما يمتنع منها كالنوم والأكل والشرب لتضمنها نقصا ينزه عنه وليس في الكلام نقص بل سنبين إن شاء الله أنه من صفات الكمال ونبين ما يستحيل إتصافه به فهذا تقرير ما ذكره ويمكن أن يسلك في ذلك طريقا أعم مما ذكره فإنه استدل بالأمر والنهي خاصة والتحقيق أن الخبر يدل أيضا على أنه متكلم كما أن الأمر يدل على ذلك والرسل يبلغون عنه تارة والأمر والنهى وتارة الخبر إما عن نفسه وإما عن مخلوقاته فيبلغون خبره عن نفسه بأسمائه وصفاته وخبره عن مخلوقاته بالقصص كما يبلغون الخبر عن ملائكته وأنبيائه ومن تقدم من الأمم المؤمنين والمكذبين ويبلغون خبره عما يكون في القيامة من الثواب والعقاب والوعد والوعيد بل ما تبلغه الرسل من خبره أكثر مما تبلغه من أمره والخبر في القرآن أكثر من الأمر وإذا قيل لا معنى لكونه متكلما إلا أنه مخبر منبئ والتحقيق أن يقال لزم من كونه آمرا ناهيا أن يكون متكلما ويلزم من كونه مخبرا منبئا أن يكون متكلما
وأما قول القائل لا معنى لكونه متكلما إلا أنه آمر ناه وإنه مخبر ففيه نظر فإن المتكلم يكون تارة آمرا وتارة مخبرا وهو في حالة كونه مخبرا متكلم وإن لم يكن آمرا وفي حال آمرا متكلم وإن لم يكن مخبرا سواء قدر إمكان انفكاك أحدهما عن الآخر أو قدر تلازمهما في حق بعض المتكلمين
ولقائل أن يقول هذا الذي ذكره قليل الفائدة فإنه إن كان المقصود به إثبات كونه متكلما على من يقر بالرسل فجميع هؤلاء يقرون بأنه متكلم إذ لا يمكن أحدا ممن يؤمن بالتوراة أو الإنجيل أو القرآن أن ينكر أن الله تكلم وهذه الكتب مملوءة بذكر ذلك وأهل الملل مطبقون على ذلك وإن كان مقصوده إثبات