والحواسّ بعض المقدّمات المسلّمة غير الصّادقة الحاصلة من طريق الوهم والخيال أو غيرهما بلا اختيار بحيث لا يمكن تمييزها في ذلك الوقت عن تلك الأحكام وربّما يحصل ذلك التّمييز في وقت آخر وربّما لا يحصل فلا جرم يعرض لهذه العلوم بواسطة مخالطة تلك المقدّمات هيئة الكذب فتخرج به عن أن تكون معتمدا عليها.
(أو نقول) إنّ حصول التّزكية والتّصفية منوط بإتيان الأعمال الصّالحة الّتي هي مرضيّات الحقّ سبحانه وتعالى ومعرفة ذلك موقوفة على البعثة كما مرّ فلا يتيسّر حصول حقيقة التّصفية والتّزكية بدون البعثة والصّفاء الحاصل للكفّار والفسّاق هو صفاء النّفس لا صفاء القلب وصفاء النّفس لا يزيد شيئا غير الضّلالة ولا يورث شيئا غير الخسارة وكشف بعض الامور الغيبيّة الّذي يحصل للكفّار والفسّاق وقت صفاء نفوسهم استدراج في حقّهم يقصد به هلاكهم وخسارتهم نجّانا الله سبحانه من هذه البليّة بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام.
(واتّضح) من هذا التّحقيق أنّ التّكاليف الشّرعيّة الثّابتة من طريق البعثة أيضا رحمة لا كما زعمه المنكرون عليها من الملاحدة والزّنادقة من اعتقادها كلفة وغير معقولة حتّى قالوا: أيّ شفقة في تكليف العباد بأمور شاقّة ثمّ يقال لهم: من عمل بمقتضى هذا التّكليف يدخل الجنّة ومن ارتكب خلافه يدخل النّار كيف لا يكلّفون بل يتركون يأكلون وينامون ويمشون على طور عقولهم ومقتضى طبائعهم أما يعلم هؤلاء الخبثاء الخائبون أنّ شكر المنعم واجب عقلا وهذه التّكليفات الشّرعيّة بيان كيفيّة أداء ذلك الشّكر فيكون التّكليف واجبا بالعقل وأيضا إنّ نظام هذا العالم وانتظام أمره منوط بهذا التّكليف فإنّه إذا ترك كلّ أحد على طوره وخلّى على طبعه لا يظهر فيه غير الشّرّ والفساد ويعتدي كلّ مهوّس على نفس الآخر وماله ويتغلّب عليه بالخبث والفساد فيضيّع نفسه عند عدم الزّواجر الشّرعيّة وموانعها ويضيّع غيره عياذا بالله سبحانه وتعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب، شعر:
لو لا الأمير الّذي نخشى بوادره ... لقاءت الزّنج في بحبوحة الحرم
(أو نقول) إنّ الله تعالى مالك على الإطلاق والعباد كلّهم مماليكه سبحانه فكلّ حكم وتصرّف يجريه عليهم فهو عين الخير والصّلاح لهم وهو منزّه ومبرّأ عن شائبة الظّلم والفساد في ذلك لا يسأل عمّا يفعل (شعر) :
من ذا الّذي في فعله يتكلّم ... دون الرّضا يا صاح والتّسليم
فإن أدخل الجميع إلى النّار وعذّبهم بالعذاب الأبديّ فليس ذلك منه بمحلّ الإعتراض وليس تصرّفا في ملك الغير حتّى تكون فيه شائبة الجور بخلاف تصرّفنا في أملاكنا الّتي كلّها أملاكه تعالى في الحقيقة. وجميع التّصرّفات منّا فيها عين الظّلم فإنّ صاحب الشّرع إنّما نسب هذه الأملاك إلينا بسبب