فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 1087

المعاملة من غير تقليد هؤلاء الأكابر نعم إنّ العقل وإن كان حجّة ولكنّه غير تامّ في الحجّيّة وغير بالغ مرتبة البلوغ والحجّة البالغة إنّما هي بعثة الأنبياء عليهم السّلام والعذاب والثّواب الاخرويّان منوطان بها.

فإن قيل: إذا كان العذاب الدّائميّ الاخرويّ منوطا بالبعثة فبأيّ معنى تكون البعثة رحمة للعالمين؟ (أجيب) أنّ البعثة عين الرّحمة لأنّها سبب لمعرفة ذات واجب الوجود وصفاته تعالى وتقدّس وهي متضمنّة لسعادة دنيويّة وأخرويّة وبدولة البعثة امتاز ما هو اللّائق بجناب قدسه تعالى عمّا هو غير لائق به فإنّ عقولنا العرجى العميى الّتي هي متّسمة بسمة الإمكان والحدوث كيف تعرف وكيف تدرك ما هو مناسب لحضرة الوجوب الّذي من لوازمه القدم من الأسماء والصّفات وما لا يناسبه منها حتّى يطلق عليه ذاك ويجتنب من هذا بل هو كثيرا ما يزعم من نقصه الكمال نقصانا والنّقص كمالا وهذا التّمييز عند الفقير فوق جميع النّعم الظّاهرة والباطنة وأشدّ المحرومين من السّعادة من ينسب إلى جناب قدسه تعالى أمورا غير مناسبة وأشياء غير لائقة به تعالى والّذي ميّز الحقّ عن الباطل هو البعثة والّذي فرّق بين المستحقّ للعبادة وبين غير المستحقّ لها هو البعثة وبواسطتها يدعي العباد إلى طريق الحقّ جلّ وعلا وبها يصلون إلى سعادة قرب المولى ووصله جلّ سلطانه وبسبب البعثة يتيسّر الإطّلاع على مرضيّات المولى جلّ شأنه كما مرّ وبها يتميّز جواز التّصرّف في ملكه تعالى عن عدم جوازه وأمثال هذه الفوائد في البعثة كثيرة فتقرّر أنّ البعثة رحمة ومن كان منقادا للنّفس وأنكر البعثة تبعا لحكم الشّيطان اللّعين ولم يعمل بمقتضى حكم البعثة فما ذنب البعثة فيه وكيف لا تكون البعثة رحمة بسبب خذلانه.

فإن قيل: سلّمنا أنّ العقل ناقص غير تامّ في حدّ ذاته في حقّ معرفة الأحكام الإلهيّة جلّ شأنه ولكن لم لا يجوز أن يحصل للعقل بعد حصول التّصفية والتّزكية له مناسبة واتّصال بلا كيف بمرتبة الوجوب تعالت وتقدّست فيأخذ الأحكام من هناك بتلك المناسبة والإتّصال فلا يحتاج حينئذ إلى البعثة الّتي هي بواسطة الملك.

(أجيب) أنّ العقل وإن حصل له تلك المناسبة والإتّصال ولكن لا يزول عنه التّعلّق بهذا الجسم الهيولانيّ بالكلّيّة ولا يحصل له التّجرّد التّامّ فتكون القوّة الوهميّة في عقبه دائما ولا تترك القوّة المتخيّلة ذيل خياله أصلا وتكون القوّة الغضبيّة والشّهويّة مصاحبتين له في جميع الأزمان وتكون رذيلة الحرص والشّره نديميه في كلّ أوان ولا ينفكّ عنه السّهو والنّسيان اللّذان هما من لوازم نوع الإنسان دائما ولا يفارقه الخطأ والغلط اللّذان هما من خواصّ هذه النّشأة أبدا فلا يكون العقل إذا حقيقا وحريّا بالإعتماد ولا تكون الأحكام المأخوذة بواسطته مصونة من سلطان الوهم وتصرّف الخيال ولا محفوظة من شائبة الخطأ ومظنّة النّسيان بخلاف الملك فإنّه منزّه عن هذه الأوصاف مبرّأ عن هذه الرّذائل فيكون مستحقا للاعتماد وتكون الأحكام المتلقّاة منه مصونة من شائبة الوهم والخيال ومظنّة الخطأ والنّسيان وقد يحسّ في بعض الأوقات أنّ الأحكام المأخوذة بلقاء الرّوحانيّين والمعارف المتلقّاة منهم ينضمّ إليها في أثناء تبليغها بالقوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت