اختيار الكفر بالنّسبة إلى الحقّ سبحانه وتعالى الّذي هو مولى النّعم الظّاهرة والباطنة وموجد السّموات والأرض وما من عظمة وكمال الّا هو ثابت له تعالى يقتضي أن يكون جزاء ذلك الكفر من أشدّ العقوبات وهو الخلود في عذاب النّار
وكذلك الإيمان بالغيب بمثل هذا المنعم العظيم الشّأن وتصديقه مع وجود مزاحمة النّفس والشّيطان وممانعة سائر الأكوان يستدعي أن يكون جزاؤه من أفضل الجزاء وهو الخلود في التّنعّمات والتّلذّذات في الجنان. قال بعض المشائخ: إنّ دخول الجنّة مربوط في الحقيقة بفضل الحقّ سبحانه وإنّما جعل منوطا بالإيمان بناء على أنّ كلّما يكون جزاء الأعمال يكون ألذّ وعند الفقير أنّ دخول الجنّة في الحقيقة مربوط بالإيمان ولكنّ الإيمان فضل من المنّان وعطيّة من ذي الجود والإحسان ودخول النّار مربوط بالكفر والكفر ناش من هوى النّفس والطّغيان ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك.
(ينبغي أن يعلم) أنّ جعل دخول الجنّة مربوطا بالإيمان في الحقيقة تعظيم الإيمان بل تعظيم المؤمن به حيث ترتّب عليه مثل هذا الأجر العظيم القدر وكذلك جعل دخول النّار مربوطا بالكفر تحقير للكفر وتنقيص لمن وقع هذا الكفر بالنّسبة إليه (فترتّب) مثل هذه العقوبة الدّائمة عليه بخلاف ما قال به بعض المشائخ فإنّه خال عن هذه الدّقيقة وأيضا إنّ هذا الوجه لا يتمشّى في دخول النّار الّذي هو عديله فإنّ دخول النّار في الحقيقة مربوط بالكفر والله سبحانه الملهم للصّواب هذا (ويرى) المؤمنون الحقّ سبحانه في الآخرة في الجنّة من غير جهة ولا كيف ولا شبه ولا مثال وأنكر على ذلك جميع الفرق مليّهم وغير مليّهم خلا أهل السّنّة فإنّهم لا يجوّزون الرّؤية بلا جهة ولا كيف حتّى إنّ نسخ الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ تنزّل الرّؤية الاخرويّة إلى التّجلّي الصّوريّ ولا يجوّز غير التّجلّي.
نقل حضرة شيخنا يوما عن الشّيخ أنّه قال: إنّ المعتزلة لو لم يقيّدوا الرّؤية بمرتبة التّنزيه وقالوا بالتّشبيه أيضا وتصوّروا الرّؤية عين هذا التّجلّي لما أنكروا الرّؤية أصلا ولما استحالوها يعني أنّ إنكارهم عليها إنّما هو من حيثيّة كونها بلا جهة ولا كيف ممّا هو مخصوص بمرتبة التّنزيه بخلاف هذا التّجلّي فإنّ الجهة والكيف ملحوظان فيه.
(لا يخفى) أنّ تنزيل الرّؤية الاخرويّة إلى التّجلّي الصّوريّ إنكار عليها في الحقيقة فإنّ ذلك التّجلّي الصّوريّ وإن كان مغايرا للتّجلّيات الصّوريّة الدّنيويّة ليس هو رؤية الحقّ تعالى، (نظم) :
يراه المؤمنون بغير كيف ... وإدراك وضرب من مثال
وبعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام رحمة للعالمين فلو لم تكن وساطة هؤلاء الكبراء من كان يدلّنا على معرفة ذات واجب الوجود وصفاته؟ ومن كان يميّز لنا مرضيّات مولانا جلّ شأنه عن غير مرضيّاته؟ فإنّ عقولنا النّاقصة بمعزل عن هذا المعنى بدون تأييد نور دعوتهم وأفهامنا القاصرة مخبولة في هذه