فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 1087

به نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم إلى توسّط الأسباب وقال (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله ومَنِ(1) اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).

(بقي) الكلام في تأثير الأسباب ويجوز أن يخلق الله سبحانه في بعض الأوقات تأثيرا في الأسباب فتكون مؤثّرة ويجوز أن لا يخلق التّأثير فيها في بعض الأوقات فلا يترتّب عليها أثر أصلا بالضّرورة كما أنّا نشاهد هذا المعنى فإنّ بعض الأسباب يترتّب عليها وجود المسبّبات أحيانا وفي بعض الأوقات لا يظهر منها أثر ما أصلا فالإنكار على تأثير الأسباب مطلقا مكابرة ينبغي أن يقول بالتّأثير وينبغي أن يعتقد أنّ وجود ذلك التّأثير كوجود نفس السّبب بإيجاد الله سبحانه هذا هو رأي الفقير في هذه المسألة والله سبحانه أعلم.

(فلاح) من هذا البيان أنّ التّمسّك بالأسباب ليس بمناف للتّوكّل كما ظنّ النّاقصون بل في التّمسّك بالأسباب كمال التّوكّل فإنّ يعقوب عليه السّلام أطلق التّوكّل على مراعاة الأسباب مع تفويض الأمر إلى الحقّ جلّ وعلا حيث قال: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ.

وأنّه تعالى مريد الخير والشّرّ وخالق كلّ منهما ولكنّه راض بالخير وغير راض بالشّرّ وبين الرّضا والإرادة فرق دقيق هدى الله سبحانه أهل السّنّة إلى هذا الفرق وبقي سائر الفرق في الضّلالة لعدم اهتدائهم إلى هذا الفرق ومن ههنا قالت المعتزلة: إنّ العبد خالق لأفعاله ونسبوا إيجاد الكفر والمعاصي إليه ويفهم من كلام الشّيخ محيي الدّين واتباعه أنّ الإيمان مرضيّ الإسم الهادي وكذا الأعمال الصّالحة والكفر مرضيّ الإسم المضلّ وكذا المعاصي.

وهذا الكلام أيضا مخالف لما عليه أهل الحقّ وفيه ميل إلى الإيجاب لكونه منشأ للرّضا كما يقال:

الإشراق مرضيّ الشّمس يعني لازمها. (وقد أعطى) الحقّ سبحانه عباده قدرة وإرادة يكتسبون بهما الأفعال باختيارهم فخلق الأفعال منسوب إلى الله سبحانه وكسبها إلى العباد وعادة الله سبحانه جارية على أنّ العبد إذا قصد فعل شيء من أفعاله وتشبّث بأسبابه يتعلّق بذلك الفعل خلقه سبحانه وتعالى فإذا كان صدور الفعل من العبد بقصده واختياره يكون متعلّق المدح والذّمّ والثّواب والعقاب بالضّرورة وما قيل إنّ اختيار العبد ضعيف فإن كان المراد به أنّه ضعيف بالنّسبة إلى إرادة الله تعالى فمسلّم وإن كان أنّه غير كاف في أداء الفعل المأمور به فغير صحيح فإنّ الله سبحانه لا يكلّف العبد بما ليس في وسعه بل يريد اليسر ولا يريد العسر غاية ما في الباب أنّ حكمة الجزاء المخلّد على الفعل الموقّت مفوّضة إلى تقدير الحقّ وعلمه تعالى وقد قال في حقّ الجزاء المخلّد على الكفر الموقّت (جزاء وفاقا) وجعل التّلذّذات الدّائمة مسبّبة من الإيمان الموقّت ومترتّبة عليه ذلك تقدير العزيز العليم ولكن نعرف بتوفيق الله سبحانه أنّ

(1) وهذا على تقدير كون الموصول مرفوعا معطوفا على لفظ الجلالة (القزاني رحمة الله عليه)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت