مشاركون للشّيخ في مسألة وحدة الوجود وإن كان للشّيخ في هذه المسألة طرز خاصّ أيضا ولكنّهم يشاركونه في أصل الكلام وهذه المسألة وإن كانت أيضا مخالفة لمعتقدات أهل الحقّ ولكنّها قابلة للتّوجيه وصالحة للجمع بها وقد طبّق هذا الفقير بعناية الله تعالى في شرح رباعيّات حضرة شيخنا هذه المسألة على معتقدات أهل الحقّ وجمع بينهما وأعاد نزاع الفريقين إلى اللّفظ وحلّ شكوك الطّرفين وشبهاتهما على نهج لم يبق فيها محلّ ريب واشتباه أصلا كما لا يخفى على النّاظر فيه.
(ينبغي) أن يعلم أنّ الممكنات بأسرها جواهرها وأعراضها وأجسامها وعقولها ونفوسها وأفلاكها وعناصرها مستندة إلى إيجاد القادر المختار الّذي أخرجها من كتم العدم إلى عرصة الوجود وكما أنّها محتاجة إليه تعالى في الوجود كذلك هي محتاجة إليه سبحانه في البقاء أيضا.
وإنّما جعل الله سبحانه وجود الأسباب والوسائط نقابا لوجه فعله وجعل الحكمة قبابا لقدرته لا بل جعل الأسباب دلائل لثبوت فعله والحكمة وسيلة إلى وجود قدرته فإنّ أرباب الفطانة الّذين بصائرهم مكتحلة بكحل متابعة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام يعلمون أنّ الأسباب والوسائل الّتي هي محتاجة في الوجود إليه تعالى ولها ثبوت وقيام منه ومعه تعالى وتقدّس في الحقيقة جمادات محضة كيف تؤثّر في شيء آخر مثلها وتحدّثه وتخترعه بل وراء تلك الأسباب قادر يوجد ذلك الشّيء ويعطيه الكمالات اللّائقة به ألا ترى أنّ العقلاء إذا رأوا فعلا من جماد محض مثلا ينتقل منه ذهنهم إلى فاعله ومحرّكه لأنّهم يعلمون يقينا أنّ هذا الفعل ليس في حوصلة حاله بل وراءه فاعل موجد لهذا الفعل فلم يكن فعل الجماد عند العقلاء نقابا لوجه فعل الفاعل الحقيقيّ بل كان ذلك الفعل نظرا إلى جماديّة مصدره دليلا على وجود الفاعل الحقيقيّ فكذا هذا. نعم إنّ فعل الجماد نقاب لوجه فعل الفاعل الحقيقيّ في نظر الأبله حيث يزعم الجماد المحض من كمال غباوته بواسطة صدور ذلك الفعل عنه صاحب قدرة ويكفر بالفاعل الحقيقيّ يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا وهذه المعرفة مقتبسة من مشكاة النّبوّة لا يدركها فهم كلّ أحد ولهذا ترى طائفة يعتقدون الكمال في رفع الأسباب ودفعها وينسبون الأشياء إلى الحقّ سبحانه ابتداء من غير توسّط الأسباب ولا يدرون أنّ رفع الأسباب رفع الحكمة الّتي في ضمنها مصالح لا تحصى ربّنا ما خلقت هذا باطلا كيف والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كانوا يراعون الأسباب ومع تلك المراعاة كانوا يفوّضون أمورهم إلى الحقّ سبحانه وتعالى كما قال يعقوب على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وصيّة لبنيه ملاحظا لإصابة العين (يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرّقة) الآية. ومع وجود هذه المراعاة قال تفويضا أمره إلى الله تعالى (وما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلّا لله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) واستصوب سبحانه هذه المعرفة منه واستحسنها ونسبها إلى نفسه حيث قال بعد ذلك (وإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ) الآية. وأشار الحقّ سبحانه في القرآن المجيد فيما خاطب