بالأصالة من بين اللّطائف الإنسانيّة للعنصر التّرابيّ. وسائر الأجزاء الإنسانيّة سواء كانت من عالم الأمر أو من عالم الخلق كلّها تابعة في هذا المقام لذلك العنصر التّرابيّ ومشرّفة بهذه الدّولة بتطفّله ولمّا كان هذا العنصر مخصوصا بالبشر كان خواصّ البشر أفضل من خواصّ الملائكة بالضّرورة لأنّه لم يتيسّر لاحد ما تيسّر لهذا العنصر وبعد الدّنوّ يظهر في هذا المقام حقيقة التّدلّي وهنا ينكشف سرّ قاب قوسين أو أدنى.
ويرى في هذا السّير أنّ كمالات جميع الولايات سواء كانت صغرى أو كبرى أو عليا كلّها ظلال كمالات مقام النّبوّة وانّها أشباح وأمثال لحقيقة هذه الكمالات ويلوح فيه أنّ النّقطة الّتي تقطع في ضمن هذا السّير أزيد من جميع كمالات الولاية فينبغي أن يتأمّل أنّه ماذا يكون على هذا القياس حكم الكمالات المتقدّمة بالنّسبة إلى جميع هذه الكمالات وللقطرة نسبة إلى البحر المحيط وهذه النّسبة مفقودة هاهنا الّا أنّي أقول إنّ نسبة الولاية إلى مقام النّبوّة كنسبة المتناهي إلى غير المتناهي سبحان الله وقد يقول الجاهل بهذا السّرّ: إنّ الولاية أفضل من النّبوّة ويقول الآخر في توجيه هذه العبارة غافلا عن هذه المعاملة: إنّ ولاية النّبيّ أفضل من نبوّته (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) ولمّا أتممت هذا السّير أيضا بعناية الله سبحانه وبركة حبيبة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام شوهد لي أنّه لو زدت فرضا خطوة واحدة في السّير لاقع في عدم محض إذ ليس وراءه الّا العدم المحض. (أيّها الولد) إيّاك والوقوع في التّوهّم من هذه المعاملة إنّ العنقاء قد وقع في الشّرك والسّيمرغ قد تعلّق في الشّبكة، (شعر)
هيهات عنقاء أن يصطاده أحد ... فاترك عناك وكن من ذاك في دعة
وهو سبحانه وراء الوراء ثمّ وراء الوراء. (شعر)
وذا إيوان الإستعلاء عال ... فإيّاكم وطمعا في الوصال
وهذه الوراثيّة ليست باعتبار وجود الحجب لأنّ الحجب صارت مرتفعة بالكلّيّة بل باعتبار ثبوت العظمة والكبرياء بالمانعة للإدراك المنافية للوجدان فهو سبحانه أقرب في الوجود وأبعد عن الوجدان نعم قد يكون بعض الكمال من المرادين فيعطون محلّا من سرادقات العظمة والكبرياء ويجعلون من محارم خيمة الجلال بتطفّل الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فيعامل معهم ما عومل معهم.
(أيّها الولد) إنّ هذه المعاملة مخصوصة بالهيئة الوحدانيّة الإنسانيّة النّاشئة من مجموع عالم الخلق وعالم الأمر ومع ذلك الرّئيس في هذا الموطن هو العنصر التّرابيّ وإنّما قلت ليس وراءه الّا العدم المحض لأنّ بعد تمام مراتب الوجود الخارجيّ والوجود العلميّ ليس الّا حصول العدم الّذي نقيضه وذات الله سبحانه وراء هذا الوجود والعدم وكما أنّه لا سبيل إليها للعدم كذلك لا مجال فيها للوجود لأنّ الوجود الّذي قام العدم بنقاضته كيف يليق بحضرته جلّ سلطانه فلئن أطلقنا الوجود في هذه المرتبة لضيق العبارة