[وفود أهل فاس لمراكش لبيعة المولى محمد بن عبد الله]
ثم وفد عليه أهل فاس لمراكش ببيعتهم، فأجازهم، و أكرمهم غاية الإكرام، و بسطعليهم أيدي المبرة و الإنعام، لكونه بويع بمراكش.
[ورود المولى محمد بن عبد الله على فاس و اعتناؤه بالعلم و العلماء]
ثم ورد على فاس، و كان يوم دخوله لها (يوما عظيما، و مشهدا كريما) و لازال بهاخاصا للعلماء بالمجالسة و المفاوضة في العلم، إذ كان- رحمه الله- في العلوم (بحرا) لا يجارى، و في التحقيق و المعارف لا يمارى، لا سيما علم الحديث، كانت له عناية كبيرة بسرد كتبه، و تحقيق معانيه، و مزيد إجلاله و تعظيمه، و من ذلك جلب من بلاد المشرق كتبانفيسة من كتب الحديث لم تكن بالمغرب، مثل مسند الإمام أحمد، و مسند أبي حنيفة رضي الله عنهما [و غيرهما] .و ألف كتبا في الحديث قل مثلها في القديم و الحديث، و ذلك بإعانة بعض العلماء الملازمين مجلسه للمذاكرة فيه، من ذلك كتاب مساند الأئمة الأربعة أو ثلاثة منهم أو إثنان، فإذا انفرد بالحديث إمام واحد أو رواه غيرهم لم يخرجه، و لم يسبق بمثل هذا، و كان كثيرا ما يتأسف و يقول: و الله لقد ضيعنا أعمارنا في البطالة تحسرا على ما فاته من تحصيل العلوم أيام شبابه، إذ كان في ذلك معتكفا على سرد كتب التاريخ و أخبار الناس، و أيام العرب و وقائعها، حتى بلغ الغاية القصوى في ذلك، و (كان) يحفظ ما في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، من كلام العرب و شعراء الجاهلية و الإسلام، ثم زهد في التاريخ و الأدب لما تولى الخلافة. و صرف همته للعلوم الشرعية و مجالسة أهلها، و رتب بذلك أوقاتا مضبوطة لا تنخرم. و كان يرى أن اشتغال