و المعنى أن الخلافة حطت رحالها: جمع رحل، و هو مركب للبعير، و أقامت من سيرهاو جاءته على قدميها إذ هو لازم من حط الرحال، ساعية في بلوغ مرادها (بتمكينها) نفسها منه، متزينة بحلية: هي بالفتح كطيبة ما يزين به من مصوغ المعادن أو الحجارة، و بالكسر الحلقة و الصورة و الصفة، و كلاهما مراد راغب أي مجد في الوصال، حارص عليه، فالخلافة عرضت نفسها عليه بلسان حالها لما لم تر من يناسبها و يكافئها من أبناءزمانها غيره و هو كذلك، و يشهد له أنه لم يلبث بها ثلاثة أشهر إلا و هو مبسوطة يده في المغرب على جميع مدنه، و قراه، و قبائله، و مداشره، بسطا (مؤيدا) [بنصر الله و تأييده، و هو في دار ملكه بمكناسة الزيتون، يخرج لملاقات جميع من يرد عليه] ، و يتهيأ لكل ذي شكاية صباحا و مساء، و لا يستطيع أحد أن يحول بينه و بين صاحب شكاية قبل الوصول إليه، و أموره كلها في غاية الحزم و الضبط، و أجرى الناس على معتادهم في المنازل على ما قرره مولاي إسماعيل والده رحمه الله، و كذلك المرتبات، و هو في كل ذلك يحافظ على ما أسسه والده من المفاخر، و كان بذلك أهل الجانب المعظم كالاشراف و العلماء، و من والاهم من أهل المسكنة و الضعفاء، في أقوى منعة و أعلا مكانة و أعز رفعة.
و بالجملة، فقد اجتمعت كلمة أهل المغرب على طاعة المولى عبد الله، و دخل علالشرفاء، و خيار الطلبة، و الضعفاء، و المساكين كل الفرح و السرور. و أما أهل الذعارات، و الفتن فأصابهم الخوف العظيم، و دهتهم الدواهي لما (أسلفوه) من فعلهم الذميم، و لما وصل لمكناسة، تلقاه الناس في الحين، و أكمل الله به الفرح و السرور لأهل الدين، و كان هذاكله سنة أربع و خمسين و مائة و ألف غير ما تقدم من الهدية للحرمين الشريفين.
[النزول قرب فاس]
ثم نزل بموضع قرب فاس في العام الذي بعد هذا، و بنى (داره) المباركة التي (هي بها الآن) .