مقدمة:
الحمد لله الذى رفع منار دين الإسلام، وأعز جنده وجعلهم منصورين على مر الدهور والأيام، تبصرة وذكرى لأولى النهى والأفهام. وأشهد أن لا إله إلا الله العزيز العلام، ذو العزة والبقاء، والإجلال والإكرام.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بأحكم شرائع الأحكام، والماحى بنبوته معالم الأوثان والأزلام، صلى الله عليه صلاة دائمة مقرونة بالبقاء والدوام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام.
وبعد ..
فإنى لما طالعت كتاب «فضائل الشام» للحافظ أبى عبد الله بن عبد الهادى المقدسى، رأيته قد أودعه من المناكير والضعاف ما كان ينبغى له أن ينأى عن ذكرها في هذا المقام، ففى الباب كثرة كاثرة من الصحاح والحسان مما يُستغنى بها عما لا يُحمد ذكره وتستغرب روايته، فضلا عن نسبته للصادق المصدوق، سيما وهو المحدث الناقد، والحافظ الحاذق، والجبل الراسخ، الذى لا نظير له في الحفظ والإحاطة، وتمييز صحاح الأحاديث عن ضعافها.
ولست بصدد نقد أحاديث كتابه، ولكن أذكر أنَّ من أنكرها وأضعفها:
(أولا) حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا «دخل إبليس العراق فقضى بها حاجته، ثم جاء الشام فطردوه حتى بلغ بشاق، ثم دخل مصر فباض فيها وفرَّخ، وبسط عبقريه» ، وقد عزاه للطبرانى وسكت عنه.
وأقول: هذا الحديث أخرجه الطبرانى «الكبير» (12/ 340/13290) و «الأوسط» (6/ 286/6431) ، وأبو الشيخ بن حيان «العظمة» (5/ 1687) ، وابن عساكر «تاريخ دمشق» (1/ 318) ، وابن الجوزى «الموضوعات» (2/ 58) مِنْ طُرُقٍ عَنْ ابن وهب أخبرنى يحيى بن أيوب وابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الزهرى عن يعقوب بن عتبة عن ابن عمر مرفوعا به.
قُلْتُ: هذا حديث منكر، أعاذ الله عزَّ وجلَّ الزهرى أن يحدِّث بمثله، تفرد به عنه عقيل ابن خالد الأيلى، لم يروه عنه غير يحيى بن أيوب وابن لهيعة. ولهذا الإسناد آفتان:
(أولهما) الانقطاع، فإن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس لم يسمع من ابن عمر.
(ثانيهما) المخالفة، فقد روى من وجهين آخرين عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا.
فقد أخرجه ابن عساكر (1/ 318) من طريق عباد بن كثير الثقفى البصرى عن سعيد بن بشير عن قتادة عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر مرفوعًا بنحوه.
وأخرجه (1/ 318) من طريق عباس بن أبى شملة عن موسى بن يعقوب الزمعى عن زيد ابن أبى