السابعة: أن في الشرطية دلالة على كون نقيض المذكور أولى بالحكم؛ إذ في بعث الرسل كشف وتفصيل لما دل عليه العقل إجمالا، كما كشف قوله تعالى: (( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ) ) [النحل:90] ، فدل على أن وجوب المعرفة بعد البعثة بالطريق الأولى والدليل الأقوى، ولذا وبخ الكفار آكد توبيخ بتركه بعدهما بقوله تعالى: (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) [فاطر] .
والعقل هو النفس الناطقة من حيث توجهها أو قوة لها، فعلى الأول هو جوهر يدرك به الغائبات بالوسائط، والمحسوسات بالمشاهدة، كما في أصول الإمام أبي القاسم اللامشي، والمراد بالوسائط: ما يقابل المشاهدة، ويعم التعريفات والأدلة، وبالمحسوسات: ما ينتزع عنها الغائبات، وبالمشاهدة: أعمال الحواس لإدراكها، وبالإدراك به: الإدراك بتوجهه.
وعلى الثاني بيَّنه الإمام فخر الإسلام البزدوي بقوله: إنه نور يبتدأ به من منتهى درك الحواس، فيبدو به المدرك للقلب والنفس الناطقة، فلا يرد أن الجوهر المذكور هو النفس الناطقة بعينها، والنفس والقوة متغايران عرفا ولغة، وأنه لو كان جوهرا لجاز أن يكون عقل بلا عاقل، و محله القلب كما دل عليه قول تعالى: (( فبكون لهم قلوب يعقلون بها ) ) [الحج:46] ، وما ذكره سدر الإسلام محمد البزدوي من أن محله الرأس عند عامة أهل السنة، فالمراد محله بمعنى مبتدئه، كما بينه أخوه فخر الإسلام لا محل أصوله، واختاره الإمام أبو المعين النسفي كما في شرح التحرير.
الثامنة: أن قي نسبة الكون آلة للمعرفة إلى العقل إشارة إلى أنه غير العلم، فليس العقل علما ببعض الضروريات، واختاره جمهوة الأشاعرة خلافا للأشعري والباقلاني استدلالا بعدم الانفكاك؛ إذ يمتنع عاقل لا علم له أصلا، وعالم لا عقل له أصلا، وأجيب بأن ذلك لتلازمهما كما في المواقف.
التاسعة: أن الإطلاق مشير إلى أن الإدراك الواجب والمعرفة بمطلق العقل والحواس الظاهرة آلاته، وأنه ليس منقسما إلى أقسام كما قال الفلاسفة من (( العقل الهيولاني ) )إن خلت النفس عن العلوم مع قابليتها لها، (( والعقل بالملكة ) )إن حصلت لها الضروريات فقط، وهو مناط التكليف عند القائلين به، (( والعقل بالفعل ) )إن حصلت لها النظريات بالقوة بمجرد توحه النفس، (( والعقل المستفاد ) )إن حضرت النظريات عندها؛ لأن كل ذلك لم يثبت عن دليل كما في التحرير بل في الإنسان في أول أمره استعداد لأن يوجد فيه@